20 تموز 2026 | وائل المساري

صراع الوعي والولاء في العراق

نجد في النظر إلى المشهد العراقي بعد سنة 2003 أن ما جرى، وما يزال يجري، ينقسم إلى مسارين رئيسين الأول هو الصراع على السلطة وتقاسم النفوذ والثروة، أما الثاني وهو الأكثر عمقًا والأبعد أثرًا يتمثّل في الصراع على تشكيل الوعي والهوية. برزت خلال تلك المرحلة مشاريع سياسية سعت إلى بناء أنماط جديدة من الولاء تجاوز بعضها حدود الدولة الوطنية واعتمدت على توظيف الخطاب الديني والسياسي لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والبلد بما يخدم رؤى وأجندات عابرة للحدود.

هذه المسألة لا يمكن أن نقرأها من الزاوية السياسية وحدها، لأنها ترتبط أيضًا بطبيعة المجتمع العراقي وهويته الثقافية، فمحاولات إعادة صياغة الوعي الجمعي لا تقف عند حدود المنافسة السياسية، وإنما تمتد إلى إعادة ترتيب أولويات الانتماء. بحيث أصبح الانتماء الإيديولوجي، في بعض الخطابات، يتقدم على الانتماء الوطني، ومن هنا بدأ يظهر التوتر بين فكرة الدولة ذات السيادة، وبين المشاريع التي تمنح الأولوية لولاءات تتجاوز حدود الدولة. ولعل هذا يفسر تلك الاستراتيجية الباردة والصامتة التي انتهجها النفوذ الإيراني في العراق، فهي لم تراهن على الاختراق الكامل والمباشر، وانما اعتمدت على ما يمكن تسميته بـ «إستراتيجية القضم والتراكم»، فهي تكتفي في البداية بأدنى المكاسب، أو حتى مجرد الإيحاء بوجودها، ثم تعمد إلى تراكم هذه النتائج، وتعظيمها بالمال، والنفوذ الإعلامي، والسياسي. إنها إستراتيجية لا تهدف الى تحقيق انتصار سريع، بل صناعة أمر واقع طويل الأمد مفصلًا بعد مفصل، وهو ما يتسق تمامًا مع محاولات التأثير في الوعي الجمعي وإعادة تشكيله.

مع مرور الوقت، انعكس ذلك على طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي، ففي كثير من الأحيان الخلاف لا يُحسم بالحجة والنقاش، وإنما بالاتهامات والتخوين والإساءة الشخصية، وعندما يصل الخطاب إلى هذه المرحلة، فإنه يكشف عن أزمة في القدرة على الإقناع، لأن الطرف الذي يمتلك حجة قوية لا يحتاج اللجوء إلى العنف اللفظي أو الرمزي لفرض رؤيته أو إسكات مخالفيه. ولعل أوضح تجليات هذا الأسلوب هو ذاك التقارب الواضح بين تصريحات أدوات النفوذ الإيراني في الداخل العراقي والخطاب الإيراني الرسمي وكأنهما يرددان من ورقة واحدة في ردود متسلسلة تهدف إلى تحويل أي نقد للتدخل الخارجي إلى اتهام للخصوم بالعمالة أو الطائفية.

لكن في المجمل، فإن المجتمع العراقي، ليس مجتمعًا يسهل إعادة تشكيل هويته بهذه البساطة، فهو يمتلك منظومة من القيم والعادات تراكمت عبر قرون تقوم على احترام الكرامة والشهامة وحرمة الأسرة والروابط الاجتماعية ،ولهذا فإن أي خطاب يتجاوز هذه الثوابت يصطدم برفض مجتمعي، فالخلاف مع هذا المشروع ليس خلافًا على حدود أو موارد فقط، وإنما هو خلاف ذو بعد تاريخي وديني وطائفي معًا، وهذا ما يجعل المواجهة معه وجودية ومرتبطة ببقاء فكرة العراق الوطني. فإلى جانب سعيها إلى توسيع نفوذها السياسي شهدت علاقة إيران ببعض المراكز الدينية المستقلة -وفي مقدمتها مرجعية النجف- محطات من التوتر والاختلاف بشأن طبيعة الدور الديني والسياسي.

لقد أثبتت التجربة العراقية السياسية بعد 2003 أن النفوذ الخارجي لا يعتمد على الأدوات السياسية وحدها، وإنما استند إلى منظومة متكاملة جمعت بين النفوذ السياسي والأذرع المسلحة والخطاب الديني والإعلامي، في محاولة لبناء مشروع نفوذ طويل الأمد داخل العراق.

لم يكن الهدف السيطرة على القرار السياسي فقط، وإنما الأهم هو التأثير في الوعي الجمعي وإعادة تشكيل الهوية الوطنية، بحيث يصبح الولاء للمشروع الإيديولوجي مقدمًا على الولاء للدولة، ويمكن تفسير هذا النهج بأنه جمع بين البعد الإيديولوجي المرتبط بالنظام الإيراني، وبين اعتبارات الأمن القومي والمصالح الإقليمية، بما وفّر أدوات متعددة لتعزيز النفوذ داخل العراق.

خلال السنوات الماضية، أسهم هذا النهج في إيجاد حالة من الانقسام داخل بعض مؤسسات الدولة، كما ترك أثرًا في شرائح من المجتمع نتيجة التعبئة الفكرية والسياسية والدينية المستمرة. كان لإيران الدور الأكثر حضورًا في هذا المسار عبر شبكة من القوى السياسية والعسكرية والدينية المرتبطة بإيديولوجية النظام الإيراني بعد سنة 1979.

ومع ذلك، فإن هذا المشروع لم ينجح في إعادة تشكيل الهوية العراقية بصورة كاملة، لأن العراق يمتلك رصيدًا تاريخيًا وحضاريًا واجتماعيًا يصعب تجاوزه أو استبداله، لكن ما تحقق من اختراق في بعض المفاصل يكشف أن معركتنا نحن العراقيين أصبحت معركة وعي وهوية وسيادة وطنية.

وعليه، فإن استعادة الدولة وسيادتها، لا تقتصر على المقاربة الأمنية المتمثلة في حصر السلاح بيدها، ولا على الإصلاح المؤسسي والإداري، وإنما تتطلب قبل كل شيء تفكيك أنماط التبعية وإعادة بناء الوعي الوطني بما يعزز مفهوم المواطنة، ويجعل الانتماء إلى العراق المرجعية الوطنية الجامعة التي تستوعب مختلف الانتماءات الفرعية، من دون أن تسمح بتحولها إلى أدوات نفوذ أو قنوات لاختراق القرار الوطني.

فاستقرار الدول لا يقوم على توازنات القوة أو التسويات السياسية المؤقتة وحدها، وإنما على عقد اجتماعي راسخ وهوية وطنية مشتركة، تجعل من السيادة والمصلحة الوطنية المرجعية العليا لصناعة القرار السياسي ورسم السياسات العامة، وتمنح الدولة القدرة على صون استقلالها، وتعزيز تماسكها الداخلي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

Scroll to Top