2 تموز 2026

هل سيذهب الزيدي إلى تسوية مع الفاسدين؟

جاءت عملية «صولة الفجر» في سياق داخلي مضطرب. إذ إن سياسة إيران في مضيق هرمز، وإغلاقه أدت إلى تضرر الاقتصاد العراقي. كما أن ضغوط واشنطن على بغداد بهدف تفكيك السلاح ومحاربة الفساد، أضافت بعدًا آخر للارتباك السياسي الداخلي، والفشل في حسم الملفات التي تمس حياة المواطن.

لم يشهد العراق منذ سنة 2003 عملية جريئة تكافح سراق المال العام، بمثل عملية «صولة الفجر»، التي أطلقتها الحكومة في 28 حزيران الماضي، بدعم أساسي من مجلس القضاء الأعلى. على هذا، فإن رئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي، بقوله: «سنذهب إلى إجراء تسوية مع من يعيد أموال الفساد»، يثير التكهنات بشأن جدية محاسبة الفاسدين واستراد الأموال، وحتى حدود العملية.

سياق العملية

جعلت «صولة الفجر»، في لحظة إقليمية ومحلية بالغة التعقيد، من مكافحة الفساد أولوية لا تقل أهمية عن ملفي الأمن والسياسة. إذ انطلقت الحملة على خلفية تداعيات إغلاق إيران مضيق هرمز أواخر شباط الماضي، والتي أدت إلى تعليق شركات النفط الكبرى ونقل الشحن لمرور ناقلاتها عبر المضيق. وكشفت التقديرات أن حجم الصادرات النفطية العابرة للمضيق تراجع من نحو 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى ما يقارب 6 ملايين برميل عبر مسارات بديلة أو مخزونات مؤقتة، في ظل اعتماد نحو 93% من صادرات النفط الخليجية على هذا الممر. وبالنسبة للعراق تحديدًا، فقد انخفضت صادراته، بسبب سياسة طهران في المضيق، بنحو 70% لتصل إلى أقل من مليون برميل يوميًا، بعد أن كانت تبلغ قبل الأزمة نحو 3.3 ملايين برميل. وقد رجّح البنك الدولي أن يشهد الاقتصاد العراقي انكماشًا بنسبة 8.6% خلال العام 2026، مع عجز مالي يقترب من 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا التراجع الحاد في الإيرادات النفطية، المصدر الأساسي لموازنة الدولة، أعاد إلى الواجهة النقاش حول هشاشة الاقتصاد الريعي العراقي، وضاعف الحاجة إلى ترشيد الإنفاق العام ووقف نزيف المال العام عبر قنوات الفساد، في وقت تتقلص فيه الموارد المتاحة للحكومة لتغطية التزاماتها. فكانت الأزمة، لا الفساد بذاته، سببًا لجعل استرداد الأموال المسروقة أولوية للدولة.

أما على الصعيد السياسي الإقليمي، فقد سبقت الحملة ضغوط أمريكية متصاعدة على العراق لدفعها نحو تعزيز الشفافية ومحاسبة الفاسدين، إذ شاع في الأوساط السياسية أن ملف مكافحة الفساد بات من أولويات واشنطن في تعاونها مع الحكومة، وأن استمرار الدعم الأمريكي مرتبط إلى حد بعيد بخطوات عملية وملموسة في هذا الملف. في هذا السياق، قال المحلل السياسي، نزار حيدر، لـ «منصة تغيير»، إن «الذين اعتقلوا حتى الآن، هم أدوات صغيرة. غير أن المجتمع الدولي (لا سيما واشنطن) والإقليمي ينتظر النهايات، وهذه النهايات الحقيقية تتضمن محاسبة الحيتان وكبار اللصوص».

على المستوى الداخلي، تعيش البلاد أزمة متعددة الأوجه تتقاطع فيها ملفات السيادة الوطنية، والسلاح المنفلت خارج سلطة الدولة، والتخبط السياسي، وسط مهلة حكومية تقترب من نهايتها لحسم موضوع الفصائل المتمسكة بسلاحها المنفلت. وقد تراكمت هذه الملفات مع أزمة ثقة شعبية متجددة تجاه الطبقة السياسية، عبّر عنها اتساع رقعة الترحيب الشعبي بحملة الاعتقالات فور انطلاقها.

يشير رئيس تيار الخط الوطني، عزيز الربيعي، في حديثه لـ «منصة تغيير»، إلى أن التيار «ينظر بإيجابية إلى أي خطوات من شأنها أن تكسر حاجز التردد في التعامل مع الشخصيات المتورطة بملفات الفساد داخل القوى السياسية النافذة، لأن تطبيق القانون على الجميع يعيد تذكير العراقيين بأن النفوذ السياسي لا يجب أن يكون حصانة أمام المساءلة القانونية».

غير أن الربيعي، أكد في الوقت ذاته، أن «العدالة الحقيقية تتطلب أن تكون هذه الإجراءات شاملة وعادلة، وأن تمتد إلى كل من تثبت بحقه مخالفات أو جرائم، دون استثناء أو انتقائية».

التسوية

من المرجح أن تتجه الحكومة إلى تفعيل خيار قانوني قائم يتيح إدراج بعض المتورطين ضمن قانون العفو، وذلك بهدف تسريع استرداد الأموال المنهوبة وطي الملف السياسي لهؤلاء أمام الرأي العام، بدل الدخول في مسار عقابي طويل. ولإدارة هذا المسار، وجّه الزيدي وزارة المالية بفتح حساب خاص لإيداع الأموال المستردة من قضايا الكسب غير المشروع. وهذا مرهون بتقديم مسودة قانون خاصة بالاسترداد إلى مجلس النواب، وسد فجوة تشريعية قد تعيق العملية.

اتخذ الزيدي من هذا الخيار تهديدًا موازيًا، محذرًا من أن من يمتنع عن إعادة الأموال «سيكون للحكومة معه موقف آخر»، في إشارة إلى أن مسار التسوية أداة ضغط لانتزاع تعاون المتورطين مقابل تجنيبهم مسارًا قضائيًا أشد صرامة.

في المقابل، قد يواجه هذا الطرح تحفظًا من أطراف سياسية وشعبية ترى أن تجارب مماثلة سابقة لم تحقق نتائج ملموسة في استرداد الأموال، وتتحول التسوية إلى مخرج آمن يعيد تدوير المتورطين سياسيًا بدل مساءلتهم. ويتناقل الإعلام المحلي، معلومات عن وجود حراك داخل بعض الأطراف السياسية باتجاه التوصل إلى تسويات تمنح المتهمين أحكامًا مخففة أو حتى إفراجًا كاملًا مقابل استعادة الدولة لأموالها، وهو ما يضع الحكومة أمام معضلة التوازن بين الحافز المادي للاسترداد السريع والمطلب الشعبي بمحاسبة فعلية لا تنتهي بصفقات مقابل المال. أوضح مؤسس «منصة تغيير»، إبراهيم فاضل، أن «مسألة التسوية مع الفاسدين أقرب من أي سيناريو آخر. سواء مع المعتقلين أو آخرين. لسبب بسيط، وهو أن أغلب السياسيين المتنفذين في العراق، بطريقة ما، عليهم ملفات فساد». ويضيف فاضل، أن «التسوية ربما ستُعتمد تحديدًا، مع أولئك الذين تؤدي عملية الإطاحة بهم، إلى انفراط عقد النظام السياسي. هذا بافتراض جدية عملية الفجر، واستمرارها».

ويضيف تعقيدًا آخر إلى المشهد علاقة بعض الملفات بجهات مسلحة وإعلاميين متورطين في شبكات الفساد، وسيجد الزيدي نفسه بحاجة إلى غطاء سياسي، واستمرار الدعم القضائي لملاحقة هذه الجهات، وتوسيع نطاقها، في مؤشر على أن حدود التسوية لن تكون موحدة، بل ستتفاوت بحسب الثقل السياسي والأمني لكل طرف متورط.

في هذه النقطة، تقول رئيسة مركز النخيل للحريات الصحفية، زينب ربيع، لـ «منصة تغيير»: «للأسف الشديد أن جزءًا ليس بالقليل من الإعلام والصحفيين أصبحوا شركاء في الفساد وباتت اسمائهم ترد في ملفات وتحقيقات الفساد بدل أن يكون الإعلام نفسه شريكًا، بل فاعلًا وكاشفًا لملفات الفساد وفضائحها». وتُحيل ربيع هذه المشكلة، إلى «الفوضى الحاصلة في العراق منذ أكثر من 20 عامًا، والتي ساهمت بغياب البوصلة وتشجيع الكثير من الفئات على الفساد وتوريطهم بأن يكونوا شركاء فيه».

ماذا عن المنظومة التي أوجدت الفساد؟ يبدو أن «صولة الفجر» أنجزت ما لم تنجزه حملات سابقة، فهي كسرت حاجز الصمت، وأدخلت أسماء إلى دائرة المساءلة، ووضعت الطبقة السياسية أمام تحوّل غير مألوف بالنسبة لها. غير أن حجم الاحتفاء بهذا الاختراق قد يحجب النظر عن البنية المنتجة والمشجعة للفساد. تحقيق أهداف العملية، مرتبط بشكل رئيس في إصلاح قواعد الحكم نفسها، لا إلى ملاحقة أفراد بعينهم، مهما علا شأنهم. ومن هذه القواعد التي رسخت منذ سنة 2003، هي المحاصصة، عبر «التمثيل المكوناتي». لذا، سيظل الحكم النهائي على العملية معلقًا بما إذا كانت الدولة ستخرج من هذه التجربة بمنظومة أقل قابلية لإنتاج الفساد، وتذهب بعيدًا عن سياسات الهوية، وتقسيم المجتمع إلى «مكونات»، يدّعي فيها السياسيون أنهم ممثلون لها، ما يعيق المسائلة.

بالنسبة إلى شكل التسوية، الأهم فيها، هو أن لا تتضمن حرية سياسية للمتورطين في حال الإفراج عنهم مقابل إعادة الأموال، كما لا يعتبر خيار الإفراج المباشر حلًا ناجحًا، وقد يبدو تخفيف العقوبة مناسبًا أكثر. تبقى هذه الافتراضات مرهونة في جدية الحكومة، وقدرتها على استعادة ثقة المواطنين.

Scroll to Top