31 أيار 2026

المغيبون في الأنبار: تغييب جسدي وحقوقي

حين أُعلن تحريرُ محافظة الأنبار من قبضة تنظيم «داعش» الإرهابي في أواخر عام 2016، سارع المسؤولون إلى تصوير تلك اللحظة باعتبارها نهايةً للفصل الأسود وبدايةً لمرحلة الإعمار والمصالحة. غير أن الحقيقة التي تكشّفت تدريجيًا على ألسنة العائلات النازحة والناجين العائدين كانت أشدَّ قتامةً بكثير مما صوّرته البيانات الرسمية، إذ خلّف زوالُ التنظيم وراءه مئات حالات الاختفاء القسري التي طالت مدنيين لا صلة لهم بالتنظيم، فضلًا عن ذوي المقاتلين الذين أُودعوا السجون دون محاكمات واضحة أو تُهَم موثّقة.

في تلك المرحلة بالذات، حين كان يُفترض أن تنبري مؤسسات الدولة لرفع الظلم وإنصاف الضحايا، آثر الممثلون السياسيون المنتخبون عن محافظة الأنبار والمناطق ذات الصلة، أو ما بات يُسمّى بـ «ممثلي المكون السني» سلوكَ الاعتدال الظاهري والتفاهمات، متخلّين بصمت مدروس، ممنهج عن أولئك الذين جاؤوا من دوائرهم الانتخابية يطرقون أبوابَ العدالة. يسعى هذا المقال إلى استقراء هذه الظاهرة المركّبة في أبعادها الإنسانية والسياسية والأخلاقية.

الجغرافيا المنكوبة: الأنبار بين مطرقتين

تمتد محافظة الأنبار على مساحة تبلغ نحو 33% من مساحة العراق الإجمالية، وهي البقعة الأوسع جغرافيًا والأشدّ هشاشةً اجتماعية وسياسية في آنٍ واحد. ذاقت هذه المحافظة مرارة الحرب مضاعفةً، مرةً حين اجتاحها تنظيم «داعش» بين عامَي 2014 و 2016، وأخرى حين طالتها العمليات العسكرية لتحريرها بما انطوت عليه من دمار واسع وتهجير جماعي طال ما يزيد على 3 ملايين مواطن. بيد أن الجرح الأعمق الذي بقي ينزّ دمًا صامتًا هو جرح الاختفاء القسري الذي يمسّ كيان الأسرة في صميمه، إذ إن الموت في الحرب -وإن كان مأساةً- يُنهي فصلًا ما، أما الاختفاء فيُبقي أهل الضحية معلّقين بين اليأس والأمل في عذاب لا ينتهي. توزّعت حالات الاختفاء على مراحل زمنية متعاقبة، ففي المرحلة الأولى بين عامَي 2014 و 2016، اختفى مئات الشباب إما في مراكز اعتقال التنظيم أو في فوضى النزوح وضياع القيود. أما المرحلة الثانية -وهي الأكثر إشكاليةً من الناحية القانونية- فقد بدأت مع عمليات التحرير وما أعقبها من حملات اعتقال نفّذتها قوات متعددة، بضمنها فصائل مسلحة، وذلك في ظل غياب ضمانات إجرائية واضحة ورقابة قضائية كافية.

الإخفاء القسري: الأنماط والأساليب

رصدت منظمات حقوق الإنسان الدولية، كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش فضلًا عن المنظمة الأوروبية العراقية لحقوق الإنسان، جملةً من الأنماط المتكررة في قضايا الاختفاء القسري في مناطق النزاع. أبرزها ظاهرة الاعتقال من خلال حملات التفتيش بحجة التدقيق الامني و أيضًا الاعتقال على الحواجز الأمنية دون إخطار ذوي المعتقَل أو إيداعه في مكان احتجاز رسمي معلوم، ما فتح الباب واسعًا أمام الاحتجاز خارج نطاق القانون. يُضاف إلى ذلك ما بات يُعرَف بـ «قوائم الحل المحلي»، وهي قوائم اعتقال يُعدّها أبناء القرى الموالون للسلطات الجديدة مستندين إلى ثارات قبلية أو ادعاءات كيدية في كثير من الأحيان.

كشفت أنماط التوثيق كذلك عن ظاهرة «النقل الصامت»، إذ يُنقل المعتقَل من مركز إلى آخر دون أن تُدرَج بياناته في أي سجل رسمي، ما يجعل تتبُّع مساره القانوني شبه مستحيل. وقد وثّقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين حالات عديدة مكث فيها معتقَلون أكثر من 4 سنوات في مرافق احتجاز غير رسمية دون أي توجيه اتهام أو محاكمة. وتبرز قضايا الأطفال والقاصرين باعتبارها من أكثر الملفات تعقيدًا، إذ وقع كثير منهم ضحايا لظروف الحرب واضطروا إلى الانخراط في النزاع قسرًا، ثم خضعوا لاحقًا لإجراءات قانونية لم تأخذ بعين الاعتبار طبيعة أوضاعهم كضحايا، ما يستوجب معالجة قانونية متخصصة تراعي مبدأ الحماية الدولية للطفل في حالات النزاع.

«طمطمة» القضايا: الدوافع السياسية لإسدال الستار

إن فهم آليات «طمطمة» قضايا المغيَّبين يستلزم استيعابَ المنطق السياسي الذي يحكم المعادلات العراقية منذ سنة 2013. فقد باتت تسوية ملفات المناطق المتضررة من النزاع ورقةً تفاوضية يُساوَم بها في أروقة تشكيل الحكومات وتوزيع الحقائب والمحاصصة، لا التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا مستحقًا في ذاته. وفي هذا السياق، يُشكّل ملف المغيَّبين عبئًا سياسيًا على أطراف متعددة في آنٍ واحد، فهو يُحرج الجهات المعنية بعمليات الاعتقال، ويُثير حساسيات الفصائل المسلحة التي تمارس نفوذًا خارج نطاق الدولة، ويُزعزع صورة «الانتصار» التي يحرص المسؤولون على ترسيخها في الوجدان الجمعي.

وتتجلى «الطمطمة» في مستويات متشعّبة تتكامل فيما بينها لتُحكم إغلاق هذا الملف. فعلى المستوى المؤسسي، يبرز غياب قاعدة بيانات وطنية مركزية للمعتقَلين، وهو غياب لا يبدو عفويًا، بل ممنهجًا، إذ إن توثيق البيانات يعني اعترافًا ضمنيًا بالمسؤولية، وهو ما تتحاشاه الأجهزة المعنية. وقد ظلّت المفوضية العليا المستقلة للمفقودين -التي تأسست سنة 2021- محدودةَ الصلاحيات وشحيحةَ الموارد، في إشارة لا تُخطئها العين إلى أن الإرادة السياسية لحلّ هذا الملف تبقى منقوصة.

وعلى المستوى الإعلامي والمدني، تواجه منظمات المجتمع المدني العاملة في هذا الملف ضغوطًا متصاعدة تحول دون نشر تقاريرها أو الوصول إلى مرافق الاحتجاز. بل إن بعض هذه المنظمات تعرَّضت لحملات تشكيك منظَّمة اتهمت فيها بأنها «تخدم أجندات خارجية» أو «تُضخّم الأرقام»، وهو خطاب يُتقنه المستفيدون من استمرار الصمت. فضلًا عن ذلك، تُوظَّف بعض وسائل الإعلام الموالية للأحزاب الطائفية الحاكمة في تأطير قضايا المغيَّبين باعتبارها نتاجاً طبيعياً لـ «تبعات الحرب» لا انتهاكًا صريحاً للقانون الدولي الإنساني، ما يُسهم في تطبيع الجريمة وتحويلها إلى مجرد ظاهرة عابرة.

ويكتسب البُعد القانوني في هذا الملف أهميةً إضافية حين يتعلق الأمر بضمانات المحاكمة العادلة، إذ أشارت تقارير إلى أن بعض الإجراءات القضائية جرت في غياب تبليغ رسمي لذوي المعتقَلين أو حتى في غياب علمهم بمكان احتجاز ذويهم أصلًا، مما يحول دون ممارسة حق الدفاع وتقديم الطعون القانونية. وبهذا تتحوّل الفجوة الإجرائية إلى عائق مضاعف يُعمّق الضرر الواقع على العائلات ويستدعي مراجعةً قانونية عاجلة.

أما الطبقة الأعمق والأكثر إخفاءً في منظومة التغييب السياسي، فهي الحسابات الإقليمية والدولية التي تُمليها علاقات العراق مع دول الجوار والقوى الدولية المنخرطة في الملف الأمني العراقي. فثّمة اتفاقيات أمنية وتفاهمات استخباراتية تجعل بعض ملفات المعتقلين ذات حساسية تتجاوز الحدود المحلية، ما يُضيف على قضية المغيَّبين طبقةً من التعقيد يصعب اختراقها بالأدوات القانونية المحلية وحدها.

الممثلية السياسية وقضية المغيّبين: بين التفويض والمساءلة

لعلّ أحد أبرز الإشكاليات في هذا الملف هي الفجوة بين التفويض الانتخابي والأداء الفعلي للممثلين السياسيين. وهذه نتيجة مباشرة لـ «دولة المكونات» التي أهملت القضايا الحقوقية للمواطنين الأفراد، مقابل امتيازات تحظى بها فواعل سياسية، فقد وعد كثير من ممثلي أبناء الأنبار والمناطق المتضررة بحمل قضاياهم إلى مجلس النواب ومجلس الوزراء والمحافل الدولية، غير أن المعطيات تكشف في أحيان كثيرة عن تراجع ملف المغيّبين في سلّم الأولويات، إذ آثر بعض هؤلاء الممثلين التخادم مع أطراف سياسية على حساب الإصرار على معالجة هذه القضية.

ويمكن رصد مستويات التقصير في هذا الملف في ثلاثة أوجه، أولها الصمت التشريعي، ويتمثّل في محدودية رفع قضايا المغيّبين في المنابر التشريعية، سواء تجنّبًا لإثارة الحساسيات أو نتيجة لتغليب الأولويات السياسية الأخرى. وثانيها التأجيل المتكرر، حيث يُقرّ بعض الممثلين بوجود القضية لكنهم يُرجئون معالجتها إلى مراحل لاحقة، ما يجعل الضحايا رهائن لحسابات التوقيت السياسي. أما ثالثها فهو غياب المناصرة الفاعلة، إذ يفتقر الملف إلى دفاع قانوني وحقوقي صريح يُعزّز مصداقية الضحايا ويُحصّن مطالبهم في المحافل الرسمية.

وقد خلص تقرير صدر عن مجموعة الأزمات الدولية عام 2024، إلى أن غياب ضغط سياسي منظَّم وفعّال من ممثلي مناطق النزاع هو أحد أبرز العوامل التي أبقت ملف المغيّبين في منطقة الظل القانوني، وأشار إلى إزاء ما وصفه بـ «أسر المطالبة بالحقوق في نطاق المساومات الحزبية الضيّقة».

الأثر الاجتماعي: جروح ذوي المغيبين التي لا تندمل

ما يُغفله التناولُ السياسي في الغالب هو الأثر الاجتماعي والنفسي المتراكم الذي يُخلّفه الاختفاء القسري في بنية المجتمع. فعائلة المغيَّب لا تعاني من غياب عزيز فحسب، بل تواجه معاناةً مضاعفة الأوجه، إذ لا يُتيح الوضع القانوني للمختفي لأسرته الحصولَ على شهادات الوفاة اللازمة لتسوية الإرث، وتقع الأرامل في منطقة رمادية قانونية تحول دون حصولهن على أي حقوق مدنية. ويُحرم أبناؤه من استخراج الوثائق الرسمية كجوازات السفر وشهادات الميلاد المرتبطة بقيده، ما يُحوّل غيابَ الأب إلى عقبة بيروقراطية تمتد لعقود.

علاوةً على ذلك، يتحوّل الحزن الجمعي في بعض العائلات إلى خطاب ثأري يخترق الأجيال الناشئة ويُغذّي دوامات العنف التي يُقرّ الجميع بضرورة كسرها. ويكشف الباحثون الاجتماعيون عن ظاهرة «الحداد المعلّق» التي يعيشها ذوو المغيّيين، حيث يظل العقل البشري عاجزًا عن إنجاز عملية الحزن الطبيعية ما دامت نهاية الغياب مجهولة، ما ينجم عنه اضطرابات نفسية مزمنة تُثقل كاهل عائلات بأكملها وتنعكس سلبًا على تماسك المجتمع وقدرته على التعافي.

مسارات الإنصاف: ما يمكن وما ينبغي

إن استقراء التجارب الدولية في معالجة ملفات الاختفاء القسري عقب النزاعات الداخلية -من الأرجنتين إلى رواندا إلى تيمور الشرقية- يُرسّخ قناعةً بأن العدالة الانتقالية الحقيقية لا تُبنى على نسيان متراضٍ عليه، بل على حقيقة مُعترَف بها. وللعراق واجب مزدوج، واجب قانوني يُمليه التزامه بالمواثيق الدولية، وواجب سياسي تُمليه ضرورة البناء الوطني القائم على ثقة حقيقية لا على توافقات هشة مؤقتة. وفي هذا الإطار، تبرز جملة من المسارات العملية التي يمكن البدء بها دون انتظار معجزة سياسية، منها، إنشاء سجل وطني شفاف للمعتقَلين يخضع لرقابة قضائية مستقلة، ومنح المفوضية الوطنية للمفقودين صلاحيات تحقيقية فعلية وميزانية كافية، وفتح آلية للمراجعة المستقلة في القضايا التي تجاوز فيها الاحتجاز 6 أشهر دون توجيه اتهام، وإطلاق شراكات مع المنظمة الدولية للشرطة الجنائية والهيئات الأممية المعنية لاستخدام أدوات التحقق الجنائي في الملفات العالقة.

أما على الصعيد السياسي، فإن ما يحتاجه ذوو المغيبين يتجاوز البيانات الانتخابية إلى إرادة سياسية حقيقية تجعل من ملف المغيّبين شرطًا أساسيًا غير قابل للتأجيل في أي مسار تفاوضي مقبل. فالقضية ليست شأنًا جهويًا أو فئويًا، إنها قضية مواطنة وقانون وكرامة إنسانية تخصّ مجمل النظام القانوني العراقي.

في الخاتم تبقى قضية المغيّيين في الأنبار -كسائر قضايا الاختفاء القسري في العالم- قضيةَ أمد طويل لا تُحلّ بمبادرة موسمية ولا بتصريح صحفي. إنها قضية تكشف في نهاية المطاف عن طبيعة العقد الاجتماعي الذي تريد الدولة العراقية أن ترسيَه مع مواطنيها في مرحلة ما بعد الحروب، أتختار المحاسبة والتئام الجراح، أم تؤثر التعايش مع مواقع العفن في جسمها الاجتماعي ريثما تتفجر من جديد في مكان آخر؟ التاريخ لا يُحسن الرحمة بالساكتين، وكل يوم تمرّ فيه عائلة في الأنبار دون إجابة هو يوم إضافي تتحمل فيه المنظومة السياسية وزرَ تقصيرها. ولعلّ في ذلك وحده ما يكفي لتحريك ضمير من أولوا خدمةَ القانون والإنسان على خدمة الزعامة والمنفعة.

عبدالله الذبان

باحث بالشأن السياسي

لبناء وطن ومواطن

تسعى منصة تغيير الى تعزيز دور المواطن العراقي في المشاركة البناءة في رفع المبادئ الوطنية والمصالح العليا والقيم والإرث والهوية الوطنية الجامعة بالوسائل المدنية.

Scroll to Top