4 آذار 2025

فائق زيدان وإشكالية الحكومات.. لماذا ندور مع حلقة الفشل؟

قانونيًا، منذ ولاية نوري المالكي الثانية في العام 2010 إلى اليوم، قامت الحكومات المتعاقبة على «انحراف قضائي، وتفسير خاطئ للدستور». هذا هو رأي رئيس السلطة القضائية في العراق، فائق زيدان. بعد أن طرح فكرة مركزية في مقال لم يسبقه حراك حول الموضوع منذ 2021، مفادها أهمية معالجة إشكال الكتلة الأكبر والذي يستلزم «تعديلًا دستوريًا صريحًا لا يحتمل التأويل». لكن، هل بادرة «الخواطر القضائية» هذه، تعني بالضرورة تصحيح منظومة فشلت لأكثر من عقدين؟ بمعنى هل هذا هو الحل، أو طريق إصلاح؟

ثمّة تساؤلات كثيرة، إلا أن ما يجدر محاولة الإجابة عنه، هو هل إذا كانت الكتلة الأكبر، هي الكتلة النيابية الحاصلة على أكثر عدد من المقاعد في الانتخابات (وليست التي تتشكل بعد الانتخابات من تحالفات) ستضمن خروجًا من محاصصة ترسّخت؟ وما مدى تأثير هذا التحوّل على نهج منظومة الحكم؟

صحيح أن قول القاضي زيدان -القول المتأخر كثيرًا- يمثّل مبادرة غاية في الأهمية، لحل معضلة، تسبّبت بفقدان الثقة في الانتخابات. ولعل رأيه هذا، الخطوة التصحيحية الوحيدة في نظام ما بعد 2003. إلا أن الصحيح أيضًا، هو بنية النظام القائمة على التحاصص، وبدونه ينفرط عقد جميع الأحزاب الطائفية الحاكمة. إذًا، ابتداءً، نحن نتحدث عن تصحيح إجرائي ضمن حلقة فشل تديرها أعراف سياسية، لا نصوص قانونية. فإسناد المناصب إلى «ممثلي المكونات»، محاصصة أيضًا، بل إن «المكوناتية» هي جذر التفكير الداعي إلى تقاسم المناصب.

قبل إسقاط نظام صدام حسين، وتحديدًا في مطلع التسعينيات، برزت أدبيات تتصوّر «النظام البديل»، أو الديمقراطية المتخيّلة، طرحتها أحزاب المعارضة، وكان من بينها ما أشار إليه السياسي والأكاديمي عبد الكريم الأزري في كتابه «مشكلة الحكم في العراق»، الذي تبّنى نموذجًا للحكم مؤداه «نظام ديمقراطي ليبرالي تعددي»، وفي مجمل كتابه، لم يكن حديثه عن تعددية حزبية، بقدر بناء نص سياسي وقاعدة شرعية، لتمثيل الشيعة، كجماعة في الحكم (تعددية طوائف)، بالتوازي مع «هيمنة السنة» كما قال. وفي حقيقته تأصيل لـ «الديمقراطية المكوناتية»، التي تبلورت لحظة الاحتلال. بهذا المعنى فُهمت التعددية، بأنها شِركة طوائف، وبحبرها كُتب الدستور. وما زالت هذه النصوص، وما توحي إليه من مضامين، تُربك من هم خارج السلطة (أو المعارضين). فإذا ما جرت دعوة لانتقال من هذه الشِركة، فهذا يُعد «إقصاء لمكون ما»، وهكذا، حلقة مُفرغة يكاد وأن تكون سببًا رئيسًا في فشل نقاش التغيير وبديل الحكم في العراق. وعلى أساس ذلك، يُطالب بـ «حصة المكون»، بوصفها حقًا. وما بين هذا التناقض وإشكاليته، فاصل مواطني. أي دولة مواطنة، لا يُعرّف فيها النظام بأن الدولة هي «دولة مكونات» وتشترك في الحكم كجماعات كما ينص الدستور.

أصل الدستور، معطوفًا على هذه الأدبيات، لا زالت الأحزاب الطائفية تستند إليه في بناء الشرعية، وأداة تستخدمه في الالتفاف على النصوص القانونية غير المتوافقة مع حراكها. على غرار إشكالية رئاسة البرلمان، وما إن كانت هيئة رئاسة أم رئيس ونائبين، وبينهما تمييز في الصلاحيات. ومسألة الكتلة الأكبر، وما يُسمّى بـ «ورقة الاتفاق السياسي»، باعتبارها «كومبياله» تُلزم رئيس مجلس الوزراء بـ «حقوق المكونات»، وتطلعات زعاماتها. وأيضًا في تحاصص اللجان البرلمانية، و «نقاط الأحزاب» الطائفية لتوزيع الوزارات ونزولًا بالمسمّيات الوظيفية. ومأسسة الانقسام عبر المجالس الموازية، مثل «الإطار التنسيقي»، و «المجلس السياسي الوطني».

ثمّة قاموس سياسي موازٍ للدستور (بغض النظر عن إشكاليات الأخير)، يُبرر سلوك الفاعلين، وينقل الأعراف إلى «ثوابت». وما تفسير الكتلة الأكبر إلا مصطلح واحد ضمن القاموس الأوسع. إلا أن الاهتمام بها، نابع من أهمية المنصب، وما ينتج عنه من صراعات قد تؤثر على النظام بمجمله. فلم يتحوّل -لحسن الحظ- حتى الآن، إلى ثابت من ثواب «الحاكمية الشيعية». ومن يدري، قد يترسّخ أو يبقى ضبابيًا.

في حال تغيّر التفسير الدستوري وفق ما أكد عليه القاضي زيدان، سيبدو «الإطار التنسيقي» معضلة أخرى أمام الكتلة الأكبر. بمعنى، في حال حصل الأكراد/السنة (أو حتى المدنيين) على أكثر عدد من المقاعد في الانتخابات، هل يُشترط أن ترشّح الكتلة، شخصية شيعية؟ ومن ثم مرضٍ عنها من جانب الإطار لرئاسة الحكومة، باعتباره «ممثل المكون الشيعي»؟ ماذا فعلنا إذًا! أم سيُحل الإطار نهائيًا؟

يُصنّف الإطار وفق تفسير 2010 بأنه الكتلة الأكبر. ولدورتين متتاليتين (2021-2025)، طالب بتكليف مرشّحيه. وكان هو السبب الرئيس وراء إضعاف منصب رئيس الحكومة، بل وقال المقاوم السابق، قيس الخزعلي، إنهم يبحثون عن «مدير عام» لشغل المنصب، في إشارة إلى صلاحيات محدودة. إضافة إلى التحكم المُطلق في أعضائهم النيابيين. هذا الحال، مُصمم لقطع الطريق أمام أي محاولة إصلاحية، فالمجالس السياسية ظاهرة شاذة، وعرف قفز فوق جميع اعتبارات الدولة كمؤسسة، وأنهى بشكل شبه كامل، الدور الذي يضطلع فيه مجلس النواب، بوصفه طاولة نقاش لممثلي الشعب، يُصنع فيها الحوار، ومنه تنتج التشريعات. إلا أن المجالس -ولا سيما الإطار- تُمارس دور الوصاية على الدولة، التي انتهت -الدولة- إلى «طبقة سياسية» وليس مؤسسة وطنية عامة.

يكمن مصير «الإطار التنسيقي» في مآلات أحداث المنطقة، بالدرجة الأولى، وقدرة الفاعلين فيه على إدراك التحولات وموازين القوى. فالحليف الإيراني، أضعف الحلفاء اليوم. إن لم يكن قد انتهى وإلى الأبد. ومن ثم، بالدرجة الثانية، إرادة تصحيح الأخطاء، والاستجابة الكاملة إلى العراق، لا المحاور، والمضي -بشكل جدي- في مسار تحديث النظام السياسي، تحديثًا شاملًا. وغير ذلك، سيبقى عائقًا أمام أي تقدّم وطني. وبشأن تفسير الكتلة الأكبر تحديدًا، من المرجّح (في حال تغيّر تفسير 2010 فعلًا) أن تكون هناك انشقاقات داخلية، حيث راكم التباين والتشظي في دعم ترشيح المالكي لولاية ثالثة، خلافات عميقة، لا يمكن لها أن تظهر بقسوة في اللحظة الراهنة. إضافة إلى أن ما تبقّى لفواعله سوى الفعل السياسي، إذ يواجه السلاح تحديًا حاسمًا، مع تضرر الاقتصاديات، والفساد الذي أنهك الدولة، فلم يبقَ على ما هو واضح، شيء يُسرق.

ومن المرجّح أيضًا، أن تغيير تفسير 2010، لن يستقبله الإطار مُرحِّبًا، باستثناء السوداني، وفي الوقت ذاته، قد لا يذهب إلى مواجهة صريحة معه. فالإطار، ذلك التحالف الوظيفي، يجيد المناورة داخل الهوامش الرمادية، وقد يعلن احترامه للتفسير الجديد، لكنه يعمل سياسيًا على تفريغه من أثره عبر إعادة إنتاج التوافق بصيغة أخرى. فالمشكلة ليست في من يُسمّي الكتلة الأكبر، بل في قدرة أي كتلة على الحكم دون إذنٍ ضمني من شبكة المصالح الطائفية (والمقصود هنا هو الحكومات الائتلافية). وذراع ذلك هم الأحزاب السنية والكردية.

وإذا افترضنا سيناريو ذهاب أغلبية غير شيعية إلى موقع الكتلة الأكبر، فإن اختبارًا غير مسبوق سيُطرح على النظام، هل يُسلَّم المنصب وفق الأغلبية النيابية، أم وفق «استحقاق المكونات»؟ هنا تحديدًا ستنكشف حدود الإصلاح الإجرائي، إذ إن أي تمسّك بشرط أن يكون رئيس مجلس الوزراء شيعي، يعني أن التفسير الجديد لم يُنتج انتقالًا في فلسفة الحكم، بل أعاد ترتيب مواقع التفاوض. أما إذا أفرز التغيير انشقاقات داخل الإطار، فإنها لن تكون انشقاقات من نوع اختلاف الرؤى، بقدر ما هي صراعات على التموضع في مرحلة ما بعد التحوّل الإقليمي. فالتحالف الذي تشكّل لحماية توازنات داخلية بعد إقصاء التيار الصدري، سيجد نفسه مضطرًا إلى إعادة تعريف وظيفته، إما أن يكون مؤسسة فعلية فوق الدولة، أو -تدريجيًا- يُصبح من الفواعل الهامشية غير المؤثرة، إذا ما تم فعلًا تغيير آلية تشكيل الحكومة التي هي مهمة الإطار الوحيدة.

يمثّل غياب المعارضة العطب الرئيس في إدارة الدولة، ويجوز القول إنها لم تغب بإرادتها، بل إن تركيبة النظام تمنع تشكّل معارضة نيابية من جهة، ودور نموذج الحكومات الائتلافية من جهة أخرى. فالحديث عن الأغلبية السياسية، ليس حديثًا عن «أغلبيات» ديمقراطية، بل حجم كل «مكون» أمام الآخر، و «استحقاقه». لماذا ندور في حلقة الفشل؟ لأن الانتخابات، وآلية تشكيل الحكومات لا تُنتج تداولًا، بل إعادة توزيع داخل الطبقة نفسها التي تطلب السلطة، لأنها الجماعة، لأنهم الشيعة، لأنهم يجب أن يحكموا بوصفهم أكثرية.

المفصل الحقيقي في النقاش كلّه، أن المسألة تتعلق بعد تحديد الكتلة الأكبر، في طبيعة الأغلبية تلك. هل تتشكّل أغلبية سياسية، تقوم على برنامج واضح، وتحكم وفق رؤية محدّدة، وتقابلها معارضة؟ أم يبقى النهج «المكوناتي»؟

يفقد، إذا نحيّنا انحيازنا الطائفي جانبًا، مفهوم الكتلة الأكبر معناه تمامًا إذا لم تتحوّل الإدارة إلى حكومة أغلبية تتحمّل المسؤولية، ومعارضة تمارس الرقابة، ومساءلة سياسية صريحة أمام الناخبين. أما في ظل استمرار الشراكة الشاملة، فإن أي أغلبية ستُجبر عمليًا على التوافق مع بقية القوى، فتذوب الفوارق، وتتلاشى حدود المسؤولية، ويصبح الجميع شركاء في السلطة، ولا أحد مسؤولًا عن الإخفاق. وقد لا نبالغ حين نقول، إن العراق، يعيش تجزئة في الموقف السيادي، ذلك أن الأكراد والسنة، يبدو بغض النظر عن رواية إبعادهم عن القرار الأمني، أنهم يحيلون المسؤولية، وتبعات تطورات الحرب القائمة على إيران، على سبيل المثال، إلى الشيعة. وهذه هي نتيجة «دولة المكونات»، شركاء في التحاصص، أعداء (أو متهربون) في الأزمات.

وهناك، في مساحة أخرى، اقتصاد ريعي حارس للمحاصصة. فالسياسي ليس بحاجة إلى برنامج انتخابي، بل إلى ضمان، فقط، تدفق التوزيع المالي الشهري. ومن هنا يبرز تداخل شكل الاقتصاد مع استمرار «الطبقة السياسية» بنهج ثابت استمر لأكثر من عقدين دون أن تنهار. ذلك لخوف الفاعلين من الفراغ، والحذر المتبادل بين «المكونات»، وتفضيل الاستقرار الرديء على غياب المشروع. وفي اتجاه آخر، سرديات طائفية، بوصفها شبكة أمان نفسية وسياسية معًا. فحين يفشل الأداء، يُستدعى «معسكر يزيد»، وغير ذلك من المقولات المعروفة. فكل ذلك يُمثّل عماد حلقة الفشل.

قد يُطلب الآن، تقديم الحل، إلا أنه لم يعد في إطار المقترحات وتطوير السياسات العامة، ولم يعد دعوة ومطالبة. الحل بات يشكّل حقيقة لا تقبل المنطقة الرمادية، عبر الذهاب إلى إعادة تعريف النظام السياسي، والانتقال من «دولة المكونات» إلى دولة المواطنة، لتنخفض روافع الانقسام المجتمعي المنبثق عن السياسي. لا غير.

إبراهيم فاضل

مؤسس منصة تغيير وباحث مهتم في قضايا الدولة والمواطنة والتمثيل المكوناتي

Scroll to Top