20 شباط 2026

عراق اللحظة الحرجة: ولاية المالكي تعجّل انهيار المنظومة

لم تأخذ الأحزاب الطائفية الحاكمة، إرث نوري المالكي المثقل بالذاكرة السلبية بالحسبان لحظة ترشيحه لولاية ثالثة. بل ولم يكن تنازل رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، ضمن السيناريوهات المطروحة في «الإطار التنسيقي»، الأمر الذي أربك القوى المتحالفة والمتعادية في المشهد العراقي.

أدت هذه التطورات، بدءًا بتدوينة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، برفض المالكي، مرورًا بـ «رسائل واشنطن»، إلى تشظّ المنظومة السياسية. فأين يقف العراق في هذه اللحظة؟

التلويح بالعقوبات

تزامن مع ما تسمّى بـ «الرسائل» من جانب الولايات المتحدة، بشأن حكومة بغداد وفصائلها، وفواعلها في الدولة وخارج الدولة، تلويح بفرض عقوبات على البلاد، في حال تسلّم المالكي رئاسة الحكومة المقبلة. بل هو في حقيقته تهديد واضح، لا يحتمل التأويل. إلا أن «الإطار التنسيقي» على ما يبدو يُهمل تلك المخاطر، تزامنًا مع صراع النفوذ وتقاسم المناصب. حيث أكد وزير الخارجية، فؤاد حسين، في لقاء تلفزيوني أن «واشنطن أبلغتنا بإمكانية فرض عقوبات حال التمسك بترشيح المالكي».

وسرعان ما أصدرت الوزارة بيانًا، بعد لقاء الوزير حسين، أوضحت فيه أن الرسالة الشفهية التي تم استلامها من الجانب الأمريكي، في حال «تمسّك الكتلة الأكبر بمرشحها الحالي، تضمنت فقرتين رئيسيتين، هما فرض عقوبات على بعض الأفراد والمؤسسات، إضافة إلى مجموعة من المعايير المرتبطة بطبيعة التعاون والعمل المشترك».

من جانبها، علّقت قائد الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط وأوروبا، فكتوريا تايلور، على بيان القائم بالإعمال الأمريكي، المتضمن «استعداد الولايات المتحدة لاستخدام كافة الأدوات المتاحة لمواجهة أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في العراق»، بأنه «تأكيد واضح للغاية لمعارضة الولايات المتحدة (للمالكي) وضرورة قيام الإطار التنسيقي بتحديد مرشح جديد».

المهلة وحديث الانهيار

قال رئيس المجموعة المستقلة للأبحاث، منقذ داغر، إن «السوداني حاول التفاوض مع الأمريكان لأخذ مهلة أقصاها 7 أيام، وهو بات ملزمًا بسحب ترشيح المالكي»، بعد تحذير من عقوبات على مؤسسات عراقية بضمنها البنك المركزي، وسومو، ووزارة الدفاع، وغيرها. وفقًا لداغر.

ومع ذلك، يرى الكاتب، عامر صالح، أن «نظام الحكم في العراق يعاني من أزمة مستدامة تتجاوز الانسدادات الظرفية، وتتمثل في عجز ديمقراطية المكونات عن إنتاج استقرار حقيقي، وغياب السيادة الكاملة، بالإضافة إلى فشل المؤسسات، وانتشار الفساد، ومحاولات الاستئثار بالسلطة، مما يبقي الدولة في حالة أزمة هيكلية دائمة».

وهو ما أكده الوزير حسين، في ذات اللقاء، حيث لم تقتصر الضغوط الأمريكية على المرشح فحسب، بل إن إدارة ترمب ترغب في « دمج الحشد الشعبي في وزارة الدفاع، ونزع سلاح الفصائل، وإعادة تنظيم البنك المركزي». يشير ذلك، إلى أن فلسفة الحكم، منذ 2003، لم تنتج واقعًا مقبولًا للعراقيين بالدرجة الأولى، ومن ثم واشنطن، بوصفها مؤسسًا للنظام. وبات الحراك السياسي في بغداد، يدرك أن إستراتيجية «التهرّب» من الواقع لم تعد خيارًا مطروحًا لها. وما يعنيه، استهداف البنك المركزي وسومو هو ضرب شريان «الدولة الريعية»، أي أن العقوبات لا تهدد الحكومة فقط، بل نموذج الدولة الاقتصادي بأكمله، وهذا هو الانهيار.

ولادة أم موت؟

ستحدد خيارات الأحزاب الطائفية، مصيرها من جهة، ومستقبل العراق الدولة من جهة أخرى. ورغم أن المطالبة بإجراء إصلاحات شاملة، منذ سنوات، والتي بلغت ذروتها في ثورة تشرين 2019، إلا أن الإيمان بضرورة تحديث النظام، والانتقال من «دولة المكونات» إلى دولة المواطنة، فضلًا عن إصلاحات اقتصادية وأمنية، لم يجد مبادرة حقيقية من جانب تلك الأحزاب.

وفي هذا السياق، دعا «تيار الخط الوطني» المحكمة الاتحادية العليا إلى «الاضطلاع بدورها الحاسم وحل البرلمان والاحتكام إلى انتخابات مبكرة تُجرى في بيئة نزيهة وخاضعة لرقابة دولية فاعلة مع التطبيق الصارم لقانون الأحزاب والتنظيم الدقيق لنظام الحملات الانتخابية». وأكد التيار في بيان، أن «مجلس النواب يتحمل وحده مسؤولية خرق المدد الدستورية الملزمة، ولا سيما إخفاقه في انتخاب رئيس الجمهورية».

تكشف هذه الدعوات، المستمرة والمتصاعدة، عن تصوّر لمآلات الواقع السياسي، إذ لم تعد تجدي نفعًا، الإصلاحات الشكلية، أو الإجراءات الظرفية. بل إما «ولادة» تجربة ديمقراطية حقيقية، أو «موت» المنظومة وفواعلها، سياسيًا. ولكن، إلى أي مدى سيتأثر العراقيون سلبًا بهذين الخيارين؟

يبدو، أن حظوظ المالكي انتهت، إلا أن «سياسة ما بعد المالكي»، ليست بأقل أهمية/خطورة من إدارته الحكومة، فهو الآن، بانسحابه، أو سحب ترشيحه، يمثّل المخرج الآمن، غير أن الطريق سيبقى وعرًا. وما يحتاجه «عراق اللحظة الحرجة»، إرادة شاملة للعبور إلى الدولة الواحدة، والعلم الواحد، والجيش الواحد، بل وحتى العراق/الوطن الواحد.

لبناء وطن ومواطن

تسعى منصة تغيير الى تعزيز دور المواطن العراقي في المشاركة البناءة في رفع المبادئ الوطنية والمصالح العليا والقيم والإرث والهوية الوطنية الجامعة بالوسائل المدنية.

Scroll to Top