8 شباط 2026

هل سيصلح باراك ما «أفسده» سافايا في العراق؟

لعب المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، دورًا بارزًا في المرحلة التي تلت إسقاط نظام بشار الأسد، إذ أدار عددًا من الملفات الإقليمية المتشابكة، منها الوضع اللبناني الجديد بعد شبه تحييد لـ «حزب الله» في لبنان، إضافة إلى التواصل مع تركيا، ودول أخرى بضمنها العراق، وقيادة المحادثات الكردية (السورية – العراقية) لحل مشكلة تنظيم «قسد». الأمر الذي أفضى إلى إعلان دمج التنظيم في الدولة السورية الجديدة، برئاسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.

في أيار 2025، كلّفه الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بمهمة المبعوث الخاص إلى سوريا، إلى جانب عمله سفيرًا في أنقرة، ثم أُسندت إليه مؤقتًا مهمة إدارة الملف اللبناني بعد إبعاد «مورغان أورتاغوس» من منصبها. هذا التعدد والتشابك في المهام في بيئة اقليمية متوترة جعلا من باراك أقرب إلى «مندوب سام» بصلاحيات مفتوحة لا مجرد مبعوث. وبالتزامن مع أنباء تفيد بإنهاء تكليف «مارك سافايا»، تتجه الأنظار إلى باراك، لشغل مهمة المبعوث. فهل سيصلح باراك ما «أفسده» سافايا؟

هل فشل سافايا بمهمته؟

أفادت وكالة رويترز، نقلًا عن مصادر أن إبعاد سافايا من مهمته يعود إلى «سوء تعامله مع المواقف الرئيسية، بما في ذلك فشله في منع ترشيح رئيس مجلس الوزراء السابق نوري المالكي» للولاية الثالثة، وهي خطوة حذرمنها ترمب في تدوينة له. حيث يُعد المالكي شخصية خلافية في الرؤية الأمريكية، إذ تُحمّله واشنطن مسؤولية «تأجيج الفتنة الطائفية والسماح بصعود تنظيم داعش خلال فترة حكمه»، ما يجعل اسمه اختبارًا حاسمًا لفعّالية المبعوث الأمريكي وحدود تأثيره على بغداد، وفقًا لرويترز.

خلافًا لذلك، استبعد الباحث في الشأن السياسي رمضان البدران، في ربط سافايا، بملف ترشيح المالكي، معتبرًا أن هذا الملف «ليس من مهماته ولا يندرج ضمن جدول أولوياته». ويشير البدران إلى أن الولايات المتحدة لا تُولي اهتمامًا كبيرًا بتفاصيل الفساد في العراق في المرحلة الراهنة، في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة. وبحسب البدران، فإن باراك يمثّل الشخصية الأنسب لاهتمامات وأولويات واشنطن في المنطقة، لكونه يشكّل حلقة وصل بين سوريا والأكراد والولايات المتحدة و«إسرائيل»، وصولًا إلى العراق. ويرجّح أن تسلسل هذه الأولويات الإقليمية هو ما دفع إلى ترشيحه، بوصفه الخيار الأفضل في هذه المرحلة، من دون تشابك بين أولويات واشنطن.

وفي هذا السياق، أفادت وسائل إعلام عبرية، أن باراك سيقود استراتيجية تقوم على ربط الملفات الإقليمية، وهو ما يعني إدخال العراق ضمن «كماشة إقليمية تهدف إلى قطع خطوط الإمداد والنفوذ الإيراني الممتدة من طهران إلى بيروت عبر الأراضي العراقية والسورية». كما تشير إلى أن باراك يحمل تفويضًا أوسع لمواجهة الأموال غير المشروعة وشبكات الفساد المرتبطة بالميليشيات، عبر نهج أكثر صرامة قد يصل إلى فرض عقوبات تستهدف الهياكل المالية الداعمة للفصائل المسلحة.

وبحسب الباحث في الشؤون السياسية، عقيل عباس، فإن احتمال إعفاء سافايا، من مهمته في العراق يعود إلى جملة أسباب، من بينها اعتبارات سياسية وأخرى قانونية. كما أشار عباس، إلى أن «سافايا بدأ ينتهج نهجًا في التعامل مع الملف العراقي لا يتسق مع توجهات وزارة الخارجية الأميركية»، موضحًا في الوقت ذاته أنه «ليس مغضوبًا عليه من قبل ترمب كما يتخيّل الكثير».

باراك.. تشاؤم ومركزية

يصف إعلام أوروبي مواقف باراك، بأنها تعكس رؤية تشاؤمية حادة تجاه بنية «الشرق الأوسط» وأنماط الحكم فيه، إذ قال باراك إنه «لا يوجد شرق أوسط، وإنما قبائل وقرى ودول قومية أنشأها سايكس–بيكو (..) أعتقد أنه وهم أن نرى 27 دولة مختلقة تضم 110 مجموعة إثنية تتفق على مفهوم سياسي واحد». وقد اتفق الكثير مع تصريحاته المتعلقة تجاه نظام الحكم في سوريا. ولم يتردد باراك في انتقاد فشل الأنظمة السياسية في لبنان والعراق وليبيا، واصفًا هذه الدول بأنها تعاني من الفوضوية. لما انتجته أنظمة الحكم الطائفية، و«المكوناتية» من انقسام المجتمعات العربية، وتصاعد العنف في المنطقة. وانطلاقًا من هذا التصوّر، يخلص باراك إلى أن اللامركزية لم تنجح في الشرق الأوسط، ولن تكون قابلة للتطبيق في سوريا، خصوصًا في ما يتعلق بالمطالبة بـ «حكم ذاتي» في شمال شرق سوريا. وقال باراك، إن «اللامركزية لم تنجح إطلاقًا في المنطقة، وما حدث في العراق خير دليل، حيث كلّفنا ذلك أكثر من 3 تريليونات دولار ومئات الضحايا الأمريكيين، ولم ننجح، بل على العكس، سادت الفوضى والانقسامات».

تعكس هذه القراءة العميقة، فشل تنوع مصادر القرار في البلدان ذات التعددية، حيث أدت مأسسة الانقسام، والمحاصصة، وسياسات الهوية، إلى تراجع الدولة لصالح قوى مسلحة، أو زعامات طائفية ومحلية، كرّست منهج «المكونات» داخل الدول، وفق زعم مبادئ «الشراكة والتوافق».

«فيتو» سياسي

يرى مراقبون، وفق ما أوردته صحيفة «المدى» أن باراك، «الذي زار العراق أكثر من مرة، كان قد أوقف في السابق جلسة برلمانية كانت وشيكة لتسمية المالكي، كما صرّح بعد لقائه مسعود بارزاني بأن «أي حكومة تُنصّب بدعم إيراني لن تكون ناجحة». ويُرجّح أن تكون سياسة باراك أكثر تشددًا في منع المالكي، إذ تشير معلومات نقلها سياسي مقرّب من رئيس مجلس الوزراء المنتهية صلاحيته محمد شياع السوداني، للصحيفة أن «القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، جوشوا هاريس، أبلغ المالكي قبل أيام قليلة، وجهًا لوجه، بأنه «مرفوض»، لكن التحالف الشيعي تجاهل الرسالة».

ويقول الباحث في الشأن السياسي الكردي، علي باخ، إن «الهواجس الكردية تتفاقم مع التقارير التي تشير إلى تولي توم باراك ملف العراق إضافة إلى مهامه، حيث يثير هذا الدمج مخاوف بنيوية من أن تصبح العدسة التركية – السورية هي المعيار الحاكم لقراءة الوضع العراقي». وتستند هذه الريبة إلى مواقف باراك السابقة تجاه «قسد» في سوريا، التي مالت لوحيد الأراضي السورية، ومنع الانقسام وما يسمّى بـ «الإدارة الذاتية». وهو منطق يخشى الكرد سحبه على العراق لتقليص استثناءات الإقليم لصالح بغداد. وبحسب ميدل ايست نيوز، تتهم الأحزاب الكردية والناشطون الكرد، باراك، بأنه يقف خلف إنهاء حلم إنشاء «إقليم كردستان» في سوريا، مشابه للإقليم الكردي في العراق، عبر دعم الحكومة السورية في دمشق، وإجبار «قسد» على الانسحاب من جميع المناطق التي كانت تسيطر عليها، والاندماج مع الجيش السوري.

بدوره، يرى الناشط السياسي فائق عادل أن «المسؤولين في الحزب الديمقراطي كانوا بمثابة ناطقين باسم سافايا، وينقلون تغريداته أولاً بأول، وكانوا ينتظرون إحداث التغييرات، وتقليص الحاكمية الشيعية، لكن ما جرى، هو بمثابة قلب الطاولة، إذ ثبت أن اللوبي الكردي الموجود في واشنطن، والذي تدفع له أموال من الأحزاب الكردية، ليس مؤثرًا».

في المقابل، يرى عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، ريبين سلام، بأن «توم بارك يثق برئيس الحزب مسعود بارزاني، وتربطه علاقة جيدة به، وكان دائمًا على تواصل مع القيادات الكردية، لإيجاد الحل، لقضية الكرد في سوريا، وعبّر عن شكره في أكثر من مناسبة، وبالتالي، لا توجد أي مخاوف لدينا، مما يشاع، حول إضعافه للإقليم، وتعاونه مع بغداد، فالقضية في سوريا، تختلف كليًا عن العراق».

 تحذيرات من القادم

ويشدد علي باخ، على أن «الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة لاختبار الواقع، من خلال مراقبة مؤشرات ملموسة، والسؤال الأبرز، هل ستضغط واشنطن لتقليص صلاحيات الإقليم في الطاقة والميزانية تحت شعار الاندماج». وحول تسلّم باراك مهمة المبعوث الأمريكي إلى العراق، أشار رمضان البدران إلى أنه يُعد «نذير شؤم» للأحزاب في العراق، ذلك أن باراك لديه موقف سلبي من النظام، و «فرص الحوار المرن مع الإطار التنسيقي ستكون أمرًا معقدًا».

وبشأن التعامل مع باراك بوصفه «لاعب شطرنج محترف»، يقترح محللون، أهمية دراسة خطواته السابقة، وتحليها، ثم رسم سيناريوهات محتملة لفهم كيفية التعامل مع خياراته المستقبلية، لاسيما أنه يُنظر إليه كرجل مفاجآت في تحركاته السياسية.

لبناء وطن ومواطن

تسعى منصة تغيير الى تعزيز دور المواطن العراقي في المشاركة البناءة في رفع المبادئ الوطنية والمصالح العليا والقيم والإرث والهوية الوطنية الجامعة بالوسائل المدنية.

Scroll to Top