24 تموز 2026 | غفران أحمد
التطرف التراكمي: التطرف والتطرف المضاد
يقوم مؤيدو «محور المقاومة الإسلامية» الذي يدّعي الدفاع عن القضية الفلسطينية، بتشكيل ميليشيات عابرة للدول ترفع شعارات النصرة لفلسطين والعداء لأمريكا و«إسرائيل». لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه من خلال صعود أذرع إعلامية تابعة للمحور تعمل على تبرير وجود الميليشيات، وتذويب فكرة الهوية الوطنية، كما تقوم الأذرع الإعلامية بمهاجمة كل من ينتقدها باتهامات تتعلق بالشرف والدين والمواطنة.
في المقابل، تتصاعد باستمرار بعض الأصوات -لا سيما في الدول التي تشهد وجود ميليشيات على أرضها- تدعم فكرة التطبيع مع «إسرائيل» بحجة تحقيق السلام في المنطقة العربية، وتنتقد محورية القضية الفلسطينية من بين العديد من القضايا العربية والإسلامية، كما تعمل على محاولة حصرها داخل الحدود الفلسطينية فحسب، وكان من بينهم الناشط السياسي، غيث التميمي، الذي تحدث في أكثر من مناسبة عن إمكانية التطبيع مع «إسرائيل».
لا يمكن فهم هذين الشكلين من التطرف السياسي، بشكل مستقل، إذ يمثل كل منهما نقيضًا للآخر، ويحركان بعضهما، في سياق إقليمي مضطرب.
يعود مصطلح «التطرف التراكمي» إلى روجر إيتوال، الذي عرّفه سنة 2006 بأنه «الطريقة التي يمكن من خلالها لشكل من أشكال التطرف، أن يتغذى على أشكال أخرى من التطرف ويضخمها». ويدل هذا المفهوم على أنه لا تنبغي دراسة التطرف ظاهرةً مستقلة عن محيطها، ذلك أن أي شكل من أشكال التطرف، يمكن أن يولّد بالمقابل أشكالًا أخرى منه، ثم تعمل هذه على تغذية بعضها بعضًا؛ فحين تقوم جهة ما، بممارسة أنشطة متطرفة فأنها تدفع جهات أخرى بممارسة أنشطة مضادة أكثر تطرفًا، وهكذا في عملية تراكمية مستمرة على شكل دوامات من العنف المتصاعد والمتّسع. يقوم مبدأ التطرف التراكمي على عدة افتراضات أساسية، أهمها، أولًا، وجود علاقة تكافلية بين التطرف والتطرف المضاد، حيث أن حجم كل جماعة متطرفة وميلها نحو العنف يعتمد على وجود ونشاط التطرف المضاد «الآخر». أما الثاني، يشير إلى أن معالجة أحد أنواع التطرف، تنبغي معه معالجة التطرف المضاد له.
وهذا يعني أن التطرف يبدأ بشرارة من جهة واحدة، فيقابله تطرف من الجهة الأخرى، ثم تبدأ العملية بالاتساع والتعاظم ككرة الثلج، إذ تقوم هذه الأشكال باستفزاز بعضها بعضًا بشكل تدريجي ليتصاعد مستوى العنف إلى أوجه. يذكر كارتر في دراسته التحليلية المقارنة أن التطرف التراكمي يحدث ضمن ثلاث عمليات متتابعة:
1- الراديكالية التفاعلية Interactive Radicalisation: عندما تؤدي ممارسات جماعة ما إلى إثارة ردة فعل أكثر تطرفًا لدى جماعة معارضة لها.
2- التعبئة المحتملة Potential Mobilisation: وتعني انخراط المزيد من الأشخاص ضمن نطاق التطرف.
3- الاستقطاب المجتمعي Communal Polarisation: يبدأ هنا المجتمع بالانقسام إلى جماعات متطرفة.
العوامل المساعدة للتطرف التراكمي
يرى لورينزو وآخرون، أن الدافع الرئيس للتطرف التراكمي هو الانتقام الناجم عن الأعمال الاستفزازية؛ كالاستهزاء بالأديان والقوميات، أو مقتل أحد أفراد جماعة معينة، أو حتى التدخلات الأجنبية في شؤون الدول، وهذه العوامل أن لم تكن سببًا في الأعمال المتطرفة فإنها يمكن أن تستخدم كحجة لتبرير وجودها ولحشد الدعم الاجتماعي لها، ومن أبرز الأمثلة عليه هو استخدام تنظيم «داعش» الأعمال العسكرية الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق وسوريا وكذلك الاحتلال «الإسرائيلي» للأراضي الفلسطينية ذريعةً لتبرير وجوده، من خلال تبني سردية «أن الإسلام يتعرض إلى هجوم»، وتكمن خطورة هذا النوع من الذرائع في محاولتها إضفاء الشرعية على أعمال العنف التي ترتكبها، كما يستخدمها المتطرف لتهدئة نفسه ولتبرير أعماله أمام مسؤوليته الأخلاقية. ويعمل كل من الخوف والشيطنة المتبادلة بين الجماعات المتطرفة محركان رئيسان لاستمرار ديناميكية التطرف.
وما تجدر الإشارة إليه، هو أن التطرف التراكمي يمكن أن ينتج بفعل العديد من العوامل المختلفة؛ فقد ينشأ نتيجة أعمال العنف التي تحصل بين الإسلاميين المتطرفين واليمين المتطرف في الدول الغربية، أو عوامل مذهبية مثل الصراع بين السنة والشيعة في العراق والمنطقة، أو عوامل سياسية كما هو الحال في علاقة الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية منذ انتصار الثورة الإسلامية فيها سنة 1979، أو لأسباب قومية، وغيرها. كما أن التطرف التراكمي قد لا يكون بالضرورة عنيفًا، فيمكن أن يبدأ التطرف فكريًا ثم يتصاعد إلى مستوى العنف، أو قد لا يصل إليه.
التطرف المتبادل
يصف كارتر العلاقة بين التطرف والتطرف المضاد كرواية متكاملة للضحية والجاني، فبقدر ما تحتاج الضحية إلى جانٍ في تلك الرواية، فإن الجاني يحتاج إلى ضحية، ويطلق على هذه الحالة مصطلح التطرف المتبادل. ويُستخدم الأخير في العديد من الأدبيات العلمية كمرادف للتطرف التراكمي، إلا أن الفرق الجوهري بينهما هو أن التطرف التراكمي قد ينشأ ويتطور بفعل العديد من العوامل المحفزة (كالدين، والعرق، والعلاقات القبلية، والسياسة)، بينما ينشأ ويتطور التطرف المتبادل حصرًا بفعل وجود جهتين متعارضتين تقوم كل منهما باستفزاز الأخرى بشكل مستمر.
تتطور العملية الديناميكية للتطرف المتبادل إلى حالة من الكراهية المرضية بين طرفي الصراع، حيث تغيب العقلانية ويسعى كل طرف إلى إيذاء الطرف الآخر، وتبلغ خطورة هذه المرحلة في أنه قد لا ينجو من إعصارها حتى النخبة المثقفة والعقلانية في المجتمع، فحتى وإن أدرك أولئك المثقفون بأن القافلة تسير بالاتجاه الخاطئ، فإن القوة الهائلة للتطرف المتبادل، تتجاوز أصواتهم غالبًا وتدفعهم للامتثال ضمن الحراك الجماعي نحو الهاوية، إذ تتفوق الضغوط الجماعية على العقلانية الفردية. وبمرور الوقت، يصبح التطرف وكراهية الآخر جزء متأصل في طبيعة الجماعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى توريثه للجيل الأصغر عن طريق التنشئة الاجتماعية، لينتج عن ذلك جيلًا متطرفًا منذ نشأته. يرى موغنام، أنه في بعض الأحيان يكون التطرف المتبادل سببه تافه، لكنه يتضخم بفعل العوامل النفسية التي تحوّل الأسباب المادية البسيطة إلى أسباب رمزية تمس الهوية الجماعية. يتضح ذلك في منطقة «سياشين Siachen» الواقعة على الحدود الهندية – الباكستانية، حيث خاضت كلا الدولتين العديد من الحروب من أجل هذه المنطقة، وعلى الرغم من الحجم الهائل من الموارد المهدرة ضمن تلك الصراعات، إلا أن «سياشين» منطقة قاحلة وليست ذات أهمية وقيمة مادية، بحسب إقرار الرئيس الباكستاني برويز مشرف، حين قال إن «سياشين أرض قاحلة، ولكنها لنا».
يتضح مما سبق، أن التطرف التراكمي مرض اجتماعي مدمر، ما إن يبدأ من أسباب تافهة بين الجماعات، حتى يتصاعد عنفه وتأثيره إلى نتائج اجتماعية كارثية قد لا يمكن السيطرة عليها بسهولة، وعلى الرغم من أن المنطقة العربية تعد من أكثر المناطق التي تشهد أعمال عنف وتطرف في العالم، إلا أن المكتبة العربية تعاني من شح كبير في الإسهامات المعرفية التي تتناول الموضوع، وما يتعلق به.

غفران أحمد
باحثة في علم الاجتماع
