18 حزيران 2026

عراق ما بعد الطائفية التقليدية: عن مشكلة الحكم وأشياء تأسيسية

يرفض الجميع الطائفية، ويمارسها الجميع في الوقت ذاته. أصبحت الطائفية مشروعة إلى الحد الذي تتخذها السلطة، ومنظومتها السياسية والإعلامية، ومؤسسات خاصة وعامة، والأفراد، نهجًا، تبدو لها ممارسة طبيعية. أصبحت «أدافع عن أهلنا/ولدنا» صيغة شائعة في الخطاب العراقي. وهذه على ما تُظهر من حسن نية، لنفترض حسن نية، توحي لنا بمدى تطبّع المجتمع مع حالة انقسامية. وهكذا، انتهت البلاد إلى شكل من التفاعل الاجتماعي والسياسي، الفاعلون فيه، أيًا كانوا ومستوى تأثيرهم، مشاركون في طائفية الحكم، بل وترسيخها.

قال لي أحد الأصدقاء، طالبًا المساعدة، إنه بصدد إعداد تقرير «يؤرخ الانتهاكات التي وقعت بحق المكون السني بعد 2003، على يد الميليشيات الشيعية». اعترضت على فكرته. لكنه أصرَّ؛ ما المانع، أو ما الخطأ في ذلك؟ بمعنى، ثمّة مجتمع تعرّض لظلم طائفي، ومن الواجب إذًا، أن نُسهم في توثيقه والمطالبة بحقوقه. توقف الصديق منتبهًا باهتمام بعد جملة من الأسئلة طرحتها، وهي، ماذا يعني «المكون»، وكيف يشتغل؟ ولماذا لا نذهب، أساسًا، إلى بناء دولة مواطنة، حينما لا يكون الفرد، أمام الدولة، عضوًا في جماعات مستحدثة («مكونات») جاءت بها أحزاب المعارضة؟ ثم، ومثلما ترغب بتوثيق المظالم التي وقعت على السنة، هناك من يريد ذلك أيضًا، للشيعة بسبب السنة، وللأكراد بسبب العرب، وللإيزيديين بسبب المسلمين. إننا هنا، إزاء حالة يُدين فيها بعضنا البعض. تُنسى القضايا، وتذهب، وتبقى الجرائم معلّقة، وتُستدام الشروخ الاجتماعية. غير أنها تحقق شيء واحد، وهو إضفاء شرعية على سياسات الهوية، التي كانت وما زالت «تُشنّج» المجتمع العراقي، لا سيما انتخابيًا.

مساحة أخرى، وفي تجمع حقوقي تحديدًا، حدث سجال بشأن قضية المختطفين والمغيبين، بعد أن دعا بعض الناشطين إلى ضرورة إطلاق حراك يتابع قضية المغيبين في الأنبار، قال أحد المعترضين، هناك أيضًا مغيبون من الشيعة ومنذ النظام السابق، لماذا تُحصر القضية في «مكون» دون آخر؟ جاء الحل سريعًا من ناشط آخر: «لندافع عن جميع المكونات». في هذه الأثناء، اقترحت استخدام عبارة «المواطنون المغيبون» بدلًا من «أبناء المكون السني/الشيعي»، لسببين، الأول، هو أن تحديد هوية المتضرر، تستوجب بالضرورة تحديد هوية المجرم، فمن الذي غيّب السني، ومن الذي غيّب الشيعي؟ ونتيجة لهذا التعريف، هناك ما يستدعي الكراهية ويبرر العنف. الثاني، أن يكون هذا التجمع، مبادرًا في ترسيخ «المواطنة الخطابية»، لا سيما في القضايا الحقوقية. وأن يكون الإنسان المواطن، هو محور الاهتمام، لا أن تكون التعريفات الهوياتية محددًا في معالجة المظالم، لأن سياسات الهوية، تُنتج مشكلات أخرى. واجه هذا المقترح نقدًا لاذعًا من إحدى الناشطات، وقالت: «أتمنى نبتعد عن لغة الذكاء الاصطناعي ونتعامل مع الملف بموضوعية وواقعية».

لم تكن تلك الناشطة، قادرة على تخيّل إنسان مواطن، لديه حقوق وواجبات، بعيدًا عن اختزاله في «مكون»، فهذا المعنى هو «ذكاء اصطناعي»، أو مثالي بفهمها. ويجب أن تدافع عن «الحقيقة» التي تدّعيها، حقيقةٌ مؤداها أن الخطاب المواطني فكرة سطحية، ذلك أن «المكون» -كما تعتقد- هو صاحب الحق الحصري في رفع الظلم عن أفراده، واستنتاجًا، لا يوجد ما يدعو إلى طائفية، أو أن ما تقوم به فعل خاطئ. إنها تدافع عن «أبناء مكونها»، أين المشكلة في ذلك!

هذا ما أعنيه بأن الطائفية مرفوضة من الجميع، ويمارسها الجميع في آنٍ. فهي طائفية غير تقليدية، من حيث إن فهمنا للطائفية استقر إلى أحداث عنف وحرب أهلية كما في سنة 2006، وما دون ذلك، حراك طبيعي.

أما بشأن المحاصصة، لم أجد سياسيًا يدعو لها بشكل صريح. العكس تمامًا، فهي آلية مرفوضة. لكن، بالمقابل، لماذا راسخة في النظام السياسي؟ وإلى أبعد من ذلك، لماذا تدعو جميع الأحزاب إلى الوطنية، وتتناقض إجرائيًا مع المبدأ الوطني؟ ولكن، ما هو المبدأ الوطني بمخيّلتها؟ وكيف تفهم العراق الوطني؟

أعرض تاليًا، بعض الأفكار التي ناقشتها حول الموضوع في كتاب «مسألة المكونات: مشكلة الحكم في العراق بعد 2003»، الذي سيصدر عن مركز عشتار لدعم الديمقراطية.

باعتقادي، أن الطائفية في العراق، ونتيجة لـ «دولة المكونات»، أصبحت كامنة في الخطاب والنهج السياسي والاجتماعي. تستخدم في هذا الإطار مصطلحات تحقق ذات المعنى الطائفي، لكنها مركّبة من عناصر هوياتية ثلاثة: طائفية واجتماعية ومناطقية. وهذه هي المحددات الرئيسة لمصطلح «المكون». فهو كما أُعرّفه في الكتاب، وحدةٌ اجتماعية سياسية سيادية. أي أنه مجتمع بصبغةٍ طائفيةٍ (مذهب) له دورٌ سياسي مباشر بما هو جماعة، ومعترف به سياديًا (في الدستور والعرف السياسي) بالمعنى الذي يجعله أساس العراق، أو سابق على العراق، وما الأخير، أو الوطن، إلا اجتماع «مكونات»، وكل «مكون» مستقلٌ بذاته عن الآخر، وعن الدولة.

هذا ما يُفسر برأيي، عدم رؤية الصديق، أو الناشطة المذكورين آنفًا، وغيرهم ممن أناقش بشكل شبه يومي، أية فكرة طائفية وراء دفاعهم عن «المكون». فهو «مجتمع أصيل» ضمن «المكونات العراقية».

ثمّة مستوى آخر يتعلق بالمحاصصة، إذ تشير خطابات السياسيين إلى أن الاشتراك في الحكم، وتقاسم المناصب، يأتي من شرعية تمثيل «المكونات». فهل يعني تقاسم المناصب من منطق مذهبي هو طائفية سياسية ومحاصصة؟ بينما من منطق «مكوناتي» هو ممارسة ديمقراطية طبيعية؟ أو لنقل، حالة صحية للنظام؟ ومن أجل إيجاد حل لهذه المشكلة، ولئلا يُحسب النظام طائفيًا، اخترعت الأحزاب المعارضة لنظام صدام حسين، مبادئ حاكمة للنظام الجديد، وهي الشراكة والتوافق والتوازن.

تعني هذه المبادئ، مشاركة جميع «المكونات» في الحكم، وأن تكون القرارات صادرة بتوافقٍ بينها، وأن تتوازن «المكونات» في مؤسسات الدولة بما يراعي أوزانها «الاجتماعية».

المبدأ الثالث، والذي نص عليه الدستور، هو ما أُحيل إليه مشكلة المحاصصة الراسخة في العراق. حيث لا يجد الحلبوسي، على سبيل المثال، من الخطأ المطالبة بمنصب رئيس جهاز المخابرات للسنة، ولا بارزاني في مطالبته منصب رئيس الأركان للأكراد، لأن ذلك يندرج ضمن مبدأ التوازن.

خطابيًا، فكرة «التوازن» تبدو جاذبة، ونبيلة، لكنها محاصصة. هذا ما يتجنّب الكثير، من قوله صراحة. واستنتاجًا، ثمّة حاجة إلى محاكمة مبادئ النظام، لا أن نسوقها حلًا في كل مرة نعترض على المحاصصة، أو «الفساد».

***

بغض النظر عن هذه الأفكار الإجرائية. نظريًا، كيف أصبح العراق «دولة مكونات»، وما معنى تلك الدولة؟ أطروحتي الرئيسة في الكتاب، هي أن الأحزاب المعارضة لنظام صدام حسين، حاولت تشخيص مشكلة الحكم في العراق منذ تأسيس دولته الحديثة، وطرح البديل. وقالت إن المشكلة هي حكم «أقلية اجتماعية سنية»، وأن البديل هو نظام تحكم فيه جميع «فئات الشعب العراقي». وهذا ما أصفه بالتخيّل المستحدث للعراق. ويقوم على مستويين، الأول هو تعريف المجتمع العراقي بأنه «فئات» اجتماعية سياسية، حاكمة ومحكومة، ويقتضي بحكم هذا التعريف، المستوى الثاني، أن تتوازن في الحكم، وتتشارك في الدولة، وتتوافق في القرارات.

جرى هكذا، حسم ماهية المجتمع العراقي من جهة، وطريقة قيام نموذج للحكم من جهة أخرى. وهو على خلاف ما كان العراق يُتخيّل، إذ كان يُتخيّل أمة مواطنين، سواء عند القوميين أو الشيوعيين، وحتى الإسلاميين. لكنها -هذه التيارات- تختلف في الصورة الكلية. فالقومي رأى في العراق امتدادًا للأمة العربية، والشيوعي رأى فيه طبقات اجتماعية راغبة في التحرر من «الرجعية»، والإسلامي رأى فيه أمة المسلمين التي تتجاوز الفوارق المذهبية في «مشروع إسلامي» كلي. وعلى تعارض هذه الرؤى وتنافسها، فإن أيًا منها لم يُعرّف العراق تعريفًا يجعل من الطائفة أو «الفئة الاجتماعية» وحدةً سياسية سيادية تطلب حصتها من السلطة. ما أحدثته أدبيات المعارضة منذ أواخر الثمانينيات، هو تحويل جوهري في صورة العراق المُتخيّل، هذا التحويل هو المستحدث بالنسبة لي، مميزًا إياه عن معنى العراق في القرن العشرين. فهو مستحدَث لأنه لم يكن حاضرًا في التنافس الإيديولوجي الذي شهدته الدولة العراقية منذ تأسيسها، ولم يُشكّل وعي الحركات السياسية الكبرى قبل الحرب العراقية – الإيرانية. وهو تخيّلٌ لأنه لم يُنتج وصفًا محايدًا للمجتمع العراقي، بل سيّس المجتمع.

مشكلة الحكم في العراق، هي تعريف العراق بأنه مجموعة «مكونات»، فهذا المصطلح، من جانب، لم يكن متداولًا في النقاش السياسي قبل تلك الحرب، وأن بديل النظام الديكتاتوري، من جانب آخر، نظامٌ تشترك فيه هذه «الفئات»، بوصفها تعبيرًا عن التعددية.

اعترض في الكتاب على فهم «التعددية» عراقيًا، ذلك أن نقاش التعددية في السياق غير العربي عمومًا، لا يرافقه جدلًا بشأن الحكم كما هو في بعض الحالات العربية (مثل العراق وسوريا ولبنان، وتصح الإشارة إلى اليمن أيضًا)، بل ارتبط في ما يتعلق بالمقبولية داخل المجتمع، وألّا يُضطهد الإنسان لمجرد انتمائه، أو عضويته. كما اقترن هذا النقاش غالبًا، في التمييز ضمنيًا بين الجماعة بوصفها جزءًا من المجتمع، وبين الأخرى التي تحاول أو تحتكر المجتمع. كما أن التعددية ذاتها، في أحد أصولها النظرية والسياسية الحديثة، لم تتشكّل مفهومًا سوسيولوجيًا محضًا معنيًا بوصف التنوع الثقافي أو الإثني داخل المجتمعات، بقدر ما ارتبطت بسياقٍ إيديولوجي عالمي، تمثّل في التمييز بين أنماط الأنظمة السياسية خلال القرن العشرين، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية وصولًا إلى ذروة الاستقطاب الذي طبع حقبة الحرب الباردة.

فقد جرى توظيف المفهوم، في الأدبيات الغربية، بوصفه علامةً فارقة على الاختلاف البنيوي بين الأنظمة الشمولية أو التوتاليتارية (Totalitarianism)، وبين ما اصطلح عليه خطاب تلك المرحلة بـ «العالم الحر»، في إشارةٍ إلى الفضاءين الأمريكي والأوروبي باعتبارهما «نموذجًا للمجتمع الديمقراطي الليبرالي». إذ لم يتم توظيف التعددية لتقاسم السلطة بين الجماعات، بل تعددًا في قنوات التعبير والتنظيم داخل المجتمع المدني، كالأحزاب، والنقابات، والجمعيات، والصحافة الحرّة. أي أنها تعددية وظيفية تعبيرية، تقاس بمدى قدرة المجتمع على إنتاج وسائطه المستقلة عن الدولة، لا بمدى حضور الهويات داخل بنية الحكم. وترسّخَ الربط النظري بين التعددية والحرية السياسية، في مقابل ربط «الوحدانية المفروضة»، أو «إذابة الفوارق قسرًا»، بالشمولية واحتكار المجال العام. 

جرى نقل هذا الإطار المفاهيمي إلى تفسير الحالة العراقية بعد 2003 على نحوٍ اختزالي. إذ برز تيارٌ رأى في «انفجار» الطائفية تعبيرًا طبيعيًا عن تحرّر «الجماعات العرقية والمناطقية والدينية المتباينة التي يمتلك العديد منها ميليشيات مدججة بالسلاح»، كما ذهب لاري دايموند. والذي يقرُّ في الوقت ذاته، أن اقتتال هذه الجماعات يعود إلى فشل الولايات المتحدة في استعادة النظام وإرساء سلطة فعّالة. إضافة إلى خوان كول، الذي أشار إلى أن «سقوط النظام أفسح المجال لقوى اجتماعية وسياسية كانت مُقيّدة سابقًا»، وذلك بهدف التوضيح بأن انهيار النظام أتاح لها الانتقال من العمل الديني – الاجتماعي (تحديدًا الشيعية منها) إلى الفعل السياسي المباشر. كما ظهر هذا الطرح عند الدبلوماسي الأمريكي بيتر غالبريث، في كتابه «نهاية العراق» الذي يدور في مجمله عن الدفاع عن توافقية بصيغة «فيدراليات إثنية». وآخرين عراقيين منذ الحرب العراقية – الإيرانية، أسهموا في بلورة تصوّر لحكم تعددي بهذا المعنى، مثل حسن العلوي وعبد الكريم الأزري وغيرهم من المعاصرين، أو خطاب سياسي راهن.

استند هذا التيار، إلى أطروحة مفادها أن النظام العراقي السابق كان قد فرض تناغمًا مجتمعيًا قسريًا عبر أدوات القمع الشمولي، وأن انهياره أتاح للهويات المضمرة أن تعود إلى السطح، كاشفةً التشظّي الذي كان مستترًا. وبذلك، أُدرج التحوّل العراقي ضمن ثنائية انتقال من الشمولية إلى التعددية. إلا أن هذا التفسير ينطوي على جملة إشكالاتٍ رئيسة. فهو، أولًا، يخلط بين التعددية، وهي التعبير المدني والسياسي من جانب (الذي قمعه النظام السابق)، وبين الهويات السياسية السلطوية من جانب آخر. فالتعددية التي شكّلت نقيضًا للشمولية في خطاب «العالم الحر» لم تكن تعددية جماعات تتقاسم الحكم، بل فاعلين مدنيين داخل إطار مواطني جامع. أي أنها تعلّقت بحرية التنظيم والتنافس الحزبي وتداول السلطة، لا بترميز انتماء ما، داخل مؤسسات الدولة. وهو، ثانيًا، يفترض حتمية نتيجة، أي أن رفع القمع يفضي مباشرة إلى تسييس الهويات. بينما يُهمل أن إزاحة الديكتاتورية قد تقود إلى مساراتٍ مختلفة، منها إيديولوجي، وحزبي، أو طبقي، من دون أن يستلزم بالضرورة تأكيد «الانقسامات»، لا سيما الطائفية، بوحدات تمثيلٍ سلطوي. وهذا يستدعي التفكير جديًّا، في تعريف الفاعلين المعارضين لنظام صدام حسين أنفسهم، ومدى تأثير هذا التعريف، على بناء نظام طائفي في العراق.

من هذا المنطلق، أجادل بأن ما جرى بعد 2003 لا يمكن تفسيره بوصفه تحررًا للتنوع، بل بوصفه انتقالًا إلى ترميز «الفئات» داخل الدولة. أي أن التنوع لم يُترك ليتجلّى في فضاءات التعبير المدني، بل نُظّم سياسيًا.

***

مستوى آخر من المقاربات تجدر الإشارة إليه، وهو ما تذهب باتجاهه فواعل سياسية فضلًا عن باحثين، وهو توافقية الجماعات. لكن، يُقرّ مكغاري وأوليري، في خضم دفاعهما عن التوافقية/مأسسة الجماعات («المكوناتية» بالقاموس العراقي)، بأن أي ترتيب لتقاسم السلطة يجب أن يُحاط بضمانات ليبرالية للأفراد، مستقلة عن انتمائهم الجماعي. وهو تنازل جوهري من جانب أبرز منظري هذا الاتجاه، حيث يُدركان فيه أن الدولة التي تقتصر على كونها ائتلاف جماعات دون إطار مواطني جامع، تنزلق نحو تجميد الانقسامات وأسرها داخل بنية الدولة. وعليه، فإن شرطية الدولة الليبرالية، بالنسبة لهما، قيد عملي يُفترض أن يُؤطّر اشتغال نموذج الحكم هذا. أشار الباحثان إلى أن التوافقية الليبرالية، إذا ما استمرت كافيًا، قد تمهّد الطريق أمام غلبة السياسات الاجتماعية – الاقتصادية التقليدية على حساب سياسات الهوية، وهو افتراض يقوم على منطق مؤداه أن الإدماج المؤسسي (المحاصصة عراقيًا) يُنتج تدريجيًا تقاربًا في المصالح يُطفئ التوترات الهوياتية.

يصطدم هذا الافتراض في سياق الحالة العراقية بخصوصية تاريخية مضاعفة عن ايرلندا الشمالية التي ناقشها الباحثان. فالإنقسام الطائفي بعد سنة 2003، لا يقتصر على كونه انقسامًا سياسيًا قابلًا للإدارة عبر توزيع الحقائب الوزارية والمواقع، بل هو انقسام تتشابك فيه طبقات متراكمة من الخلافيات المذهبية، وسرديات الاضطهاد المتبادل، والذاكرة الجمعية، والامتدادات الإقليمية العابرة للحدود، لا سيما في ضوء الدور الخارجي، وسياسة المحاور. وهذه الخصوصية تعني أن الانقسام لا يتراجع حين تُوزّع المناصب وتُحسم الحصص، بل قد يتعمّق، لأن مأسسة الجماعات لا تُضعف مكانة الهوية بوصفها مرجعية تعبوية، بل تُرسّخها وتُضفي عليها شرعية دستورية، بالتالي، يدفع ذلك «المكونات»، إلى مناصرة المثيل القومي/الطائفي في دول أخرى، كما حدث كرديًا وشيعيًا وسنيًا تجاه سوريا، وشيعيًا تجاه لبنان والبحرين. ومن ثم، فإن مبدأ «تقرير المصير على التحديد المسبق» الذي يُرسيه مكغاري وأوليري لا يبدو لي حلًا حين تكون الجماعة ذاتها، في جوهرها، «جماعة متخيّلة» بمحددات مذهبية وطائفية لا إثنية بالمعنى الأنثروبولوجي فحسب، ما يجعل حدودها غير قابلة للتحديد الموضوعي ومُنتِجة باستمرار لهويات جديدة، أو ممثلين جدد لـ «المكون»، أو تنافس «مكوناتي» داخلي، ولن تحيّد سياسات الهوية.

دافع الباحثان عن نموذجهما بوصفه ليبراليًا لأنه لا يُلزم الأفراد بالانتماء إلى جماعة بعينها، ويُتيح تشكّل هويات جديدة عبر الانتخابات الحرة. بيد أن هذا التصوّر يتجاهل أن الأُطر المؤسسية لتقاسم السلطة، حتى وإن لم تُلزم الأفراد صراحةً، تُنتج بنى وحوافز تدفعهم إلى التمركز داخل جماعاتهم المُعرّفة بوصفها وحدات تفاوض. ففي العراق، إذا ما أردنا اختبار فرضيتهما، أفضت مأسسة «المكون» إلى أن أي فاعل سياسي يسعى الوصول إلى الموارد والمناصب مُضطرٌ إلى الارتكاز على انتمائه «المكوناتي»، لأن الدولة ذاتها قائمة على توزيع هذه الموارد وفق هذا المنطق. وبعبارة أخرى، حتى وإن لم تنصّ الدولة على «تحديد مسبق» رسمي (غير أنها نصّت في الدستور «مكوناتيًا»، وعرفًا سياسيًا أصبح لا يقل إلزامًا عن الدستور)، فإن البنية المؤسسية تُنتج تحديدًا مسبقًا ضمنيًا لا يختلف في آثاره عن الصريح. هذا ما يُحيل إليه الفارق الذي حاولت الإشارة إليه في الكتاب بين «الاعتراف الثقافي» و«الاعتراف السيادي»، فالتوافقية بين طوائف مسيّسة، حتى في صيغتها الليبرالية، تنتهي إلى منح الجماعة صفة الفاعل السيادي داخل الدولة، وهو ما يجعل ليبراليتها إجرائية لا بنيوية، أي أنها تُحايد في الشكل وتُرسّخ في المضمون.

***

لم يكن البحث في نيّته الأولى كتابًا عن «المكونات». كان مشروعه الأساسي ورقة بحثية عن المواطنة في العراق في أواخر العام 2024، عن غيابها وشروط إمكان حضورها. غير أنني توصلت إلى نتيجة مفادها أن الحديث عن غياب المواطنة في العراق لا يمكن أن يبدأ من المواطنة ذاتها، بل من أسباب غيابها. بمعنى، أن السؤال عن لماذا لا تترسّخ المواطنة في العراق، قادني إلى كيف يشتغل النظام السياسي العراقي بشكل يجعل المواطنة متعذّرة؟ وما طبيعة هذا الاشتغال؟ الإجابة دفعتني للمجادلة بأن نهج الحكم بعد 2003 لم يُبنَ على الفرد المواطن وحدةً للتمثيل والشرعية، بل على «المكون». وحين يكون الأخير هو نقطة الانطلاق، تصبح المواطنة في أحسن أحوالها خطابًا إنشائيًا يُستدعى في المناسبات الرسمية، وفي أسوأها تُصبح تهديدًا لمنطق النظام القائم، أو فكرة تعادي «الدين والمذهب» وتجاوزًا على «الاستحقاقات». هذا التحوّل في مشروع البحث، من المواطنة إلى «المكوناتية»، كان الطريق الوحيد، بالنسبة لي، للإجابة عن السؤال أو المحاولة على أقل تقدير. وأقول، لا يمكن بناء مقاربة في المواطنة العراقية قبل فهم ما يُعيقها بنيويًا. هذا في حال اتفقنا على أن الحل هو دولة المواطنة. أما ماذا تعني دولة المواطنة، نظريًا وعمليًا للسياق العراقي، فهذا بحث آخر.


إبراهيم فاضل

مؤسس منصة تغيير وباحث مهتم في قضايا الدولة والمواطنة والتمثيل المكوناتي

Scroll to Top