15 شباط 2026

«الجنود المرتزقة».. لماذا يقاتل العراقيون نيابة عن أنظمة أجنبية؟

«هاربًا من هلاك نحو هلاك آخر»، هذا ما يعبّر عن حال الشباب العراقيين المتطوعين للقتال في صفوف دول أخرى بعد أن خاضوا الحروب والويلات خلال العقود الماضية في وطنهم، آخذين بعدها قرار الدفاع عن أنظمة أجنبية، وما هذا إلا مؤشر واضح على تآكل الهوية الوطنية بشكل كبير وتراجع الدولة بوصفها الإطار الجامع للانتماء السياسي والاجتماعي. ويمكن القول هنا، إن الدوافع تتداخل بين الأهداف العقائدية والمعنوية، كما في الدفاع عن إيران، والحاجة المادية أو الاقتصادية، كما في الدفاع عن روسيا. وإذا نظرنا إلى الجهات الفاعلة، نجد أن بعضها، بما فيها الفصائلية، تقوم بنشر ما تسمّيه بـ «المتطوعين»، وترعاهم، وتستغلهم كأداة للتعبير عن نفوذها في الساحة الدولية.

العراقي جندي خارج الحدود

حذرت الحكومة العراقية من محاولات استدراج مواطنين عراقيين للمشاركة في الحرب الروسية – الأوكرانية، في وقتٍ أكدت فيه مصادر روسية انخراط نحو 423 ألف متطوع عراقي في صفوف الجيش الروسي بعقود تتراوح أجورها بين 2500 و3000 دولار خلال عام 2025. بالتزامن ذلك، انتشرت مقاطع بث مباشر على مواقع التواصل لشباب عراقيين بزي عسكري في روسيا، يحذّرون غيرهم من الالتحاق بالقتال مع الجيش الروسي، مؤكدين أن المصير هو الموت، حيث أصبح حلم الوصول الى أوروبا كابوسًا. وفي عام 2026، برز مسار موازٍ تمثّل بفتح أبواب التطوع لنصرة النظام الإيراني بحسب ادعائهم، ومواجهة «التدخل الأمريكي» المتمثل بالاحتجاجات الشعبية الناجمة عن تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، ليصل عدد المتطوعين العراقيين إلى نحو 5000 شخص.

استمارات الحرب تُملأ بجنود الحظ، أولئك الذين لا يبحثون عن المال بقدر ما يبحثون عن معنى مفقود، أو هوية بديلة، أو شعور بالانتماء يعوّض فراغًا داخليًا معبّرين عنه تحت شعارات من قبيل «لا نريد المال» للدفاع عن «ولاية الفقيه» كاستشهاديين، متناسين، أو ربما متجاهلين (مثل كتائب حزب الله بوصفها الجهة المسؤولة عن التجنيد) أحكام المادة 165 من قانون العقوبات العراقي التي تنص على عقاب السجن المؤقت لكل من قام بغير إذن من الحكومة بحشد عسكري ضد دولة أجنبية أو رفع السلاح ضدها أو التحق بأي وجه بالقوات المسلحة لدولة أخرى في حال حرب معها أو قام بأي عمل عدائي آخر ضدها. وتكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد إذا ترتب على الحشد العسكري قیام حالة حرب بین العراق وتلك الدولة. ومع تصاعد الخطاب السياسي الداعي إلى دمج الحشد الشعبي وحصر السلاح، في إطار الاستجابة للضغوط الأمريكية وتقليص دور الفصائل المسلحة، يثير فتح باب التطوع لتشكيل «حشد شعبي» جديد مخاوف جدية، إذ قد يؤدي هذا إلى إدخال البلاد في مرحلة جديدة لا تحمد عواقبها بتكوين نمط أقرب إلى «نظام العصابات».

تجنيد البصرة العابر للحدود

يمثّل الخطاب الذي ألقاه القنصل الإيراني في البصرة، «علي عابدي»، خلال مهرجان الذكرى السابعة والأربعين لـ «انتصار الثورة الإسلامية في إيران»، بالدعوة التي وجهها إلى أتباع المرشد الإيراني، والتأكيد على قدرة إيران على الدفاع عن نفسها «من خلالكم». لا يمكن قراءتها بمعزل عن خصوصية البصرة بوصفها مدينة عراقية ذات حساسية سياسية واجتماعية واقتصادية عالية. فبتوظيف مفردات مثل «النظام المقدس» و «كسر الاستكبار العالمي»، والحديث عن حرب شاملة إذا تعرضت إيران لهجوم يضع المدينة ضمن خطاب تعبوي عابر للحدود.

تمثل البصرة الرئة الاقتصادية للعراق، ومركز صادراته النفطية التي تمثل 98% من صادرات العراق، وبوابته البحرية الوحيدة، لكنها في الوقت ذاته تعاني من أزمات خدمية مزمنة، وبطالة مرتفعة جعلتها هذه العوامل بيئة خصبة للاحتجاجات والتجاذبات السياسية والخطابات الايديولوجية التحشيدية. كما أن مخاطبة جمهور داخل العراق بوصفه امتدادًا لقدرة دولة أخرى على الدفاع عن نفسها، يثير تساؤلات حول حدود العمل القنصلي الدبلوماسي ومدى تداخل العلاقات بين إيران والبصرة، ومدى توافق هذا النوع من الخطاب مع مبدأ السيادة الوطنية العراقية. ما تجدر الإشارة إليه، أن التنافس السياسي المشتد داخل العراق دفع بعض الفصائل المسلحة -منها كتائب حزب الله والنجباء-إلى استقطاب الشباب العراقي، بعد أن فقدت الامتيازات التي مُنحت للفصائل الأخرى خلال الانتخابات الأخيرة بينما كان حظوظ الأولى منها قليل أو معدوم.

تحشيد العراقيين للدفاع عن دولة أخرى، سواء في النسخة الروسية أو الإيرانية ليس بالأمر الجديد، إذ تكررت هذه الظاهرة مرات عديدة على الجانب السوري واللبناني. فالفصائل العراقية الموالية لإيران استغلت الانقسامات السياسية والاجتماعية في العراق لاستقطاب الشباب بطرق عاطفية وتوظيف شعورهم الطائفي أو العقائدي ذريعة للقتال خارج الحدود. ويطرح هذا الواقع تساؤلًا مهمًا، أين الدولة من كل ذلك؟

نبراس علي

كاتبة وعضو منصة تغيير

لبناء وطن ومواطن

تسعى منصة تغيير الى تعزيز دور المواطن العراقي في المشاركة البناءة في رفع المبادئ الوطنية والمصالح العليا والقيم والإرث والهوية الوطنية الجامعة بالوسائل المدنية.

Scroll to Top