25 كانون الثاني 2026

المالكي بين الرفض الحزبي وغياب المعارضة الوطنية

«رجل الأزمات»، هكذا يوصف رئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، رجل ارتبط اسمه بأصعب المحطات العراقية بعد 2003، فمن مأسسة الطائفية، وترسيخها، مرورًا بخطاب مأزوم أثار العراقيين، وصولًا إلى احتلال عدد من المحافظات على يد تنظيم «داعش»؛ ظل اسم المالكي حاضرًا بوصفه فاعلًا في إنتاج الأزمات.

تلعب الذاكرة العراقية، مع المالكي تحديدًا، دورًا غاية في الأهمية، إذ يبدو تبسيطًا أن تُنشر «سيرة ذاتية» له، وذلك بعد إعلان ترشيحه من جانب «الإطار التنسيقي» لتولي رئاسة الحكومة المقبلة. فهو «المجرّب»، والمعروف بسياساته الإقصائية، والطائفية، والفساد، والمجازر، لا سيما مجزرة الحويجة، وسبايكر. وعلى الرغم من ذلك، مضى التحالف الحاكم في البلاد، إعادته للولاية الثالثة، في ظل أزمات داخلية وخارجية.

الرفض الحزبي

انقسم «الإطار التنسيقي» بين مؤيد للمالكي، ومعارض، إذ انطلق خصومه من مصالح حزبية، فهؤلاء يرون أن المالكي «مستبد في القرار»، إضافة إلى «عدم قدرتهم على فرض شروطهم» على رئيس السلطة التنفيذية، معطوفًا على البحث عن «مدير عام»، تُمسك تلك القوى المتنفذة زمام القيادة السياسية، والامتيازات الاقتصادية في البلاد. وهو ما واجه رفضًا من جانب المتحالفين مع المالكي، كان من أبرزهم «تحالف الإعمار والتنمية» بقيادة رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني.

وتشير مصادر، أن الموافقة على ترشيح المالكي بالأغلبية، تعود إلى «مباركة من خامنئي»، بالتزامن مع أحداث المنطقة، ولاسيما التطورات في سوريا. الأمر الذي يبرر انكفاء معسكر المعترضين داخل «الإطار التنسيقي» وتراجعهم عن التصعيد.

أما الجانب الآخر، والذي أعلن رفضه ضمنيًا قبيل إعلان تشريح المالكي، هو «المجلس السياسي الوطني»، والذي يتشكّل من «الأحزاب السنية» الفائزة بالانتخابات. وجاء ذلك في تدوينة لرئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي، أكد فيها ضرورة عدم السماح بـ «العودة إلى الوراء»، في إشارة إلى المالكي.

وفي لحظة إعلان الترشيح، انقسم المجلس بين مؤيد ومعارض أيضًا، وتضاربت «البيانات» الرسمية. وعدّ بيان سني، عودة المالكي أنها «تعيد أزمات سابقة وتعرقل جهود التوافق السياسي وتشكيل حكومة مستقرة تلبي تطلعات العراقيين». لكن سرعان ما اتضح عمق الخلاف بين «الأحزاب السنية»، وسارع كل من تحالفا «العزم» و «الحسم الوطني»، تأييدهما لترشيح المالكي، مقابل صمت خميس الخنجر، واستمرار الحلبوسي وحلفائه في موقف الرفض.

غياب المعارضة الوطنية

يتجاوز مأزق ترشيح المالكي حدود الخلافات الحزبية، ليكشف خللًا أعمق يتمثّل في غياب معارضة وطنية حقيقية. فكل أشكال الرفض المطروحة، سواء داخل الإطار أو خارجه، ظلّت في دائرة الحسابات الحزبية، أي أنها ليست معارضة وطنية، تستند إلى برنامج بديل، أو رؤية مختلفة لإدارة للدولة.

ومنذ خسارة القوى المدنية في الانتخابات النيابية الأخيرة، بات هذا الغياب أكثر وضوحًا، إذ لم يعد ثمّة فاعل سياسي يمتلك القدرة التنظيمية أو الخطاب السياسي القادر على تمثيل الاعتراض المجتمعي الواسع وتحويله إلى مشروع سياسي متماسك. ويعكس هذا الواقع أزمة أعمق من مجرد إخفاق انتخابي، فهو يدل على هشاشة البنية السياسية للتيارات المدنية، وعجزها عن التحوّل من حالة الاحتجاج، أو حتى ممارسته، أو النقد. فهل بات طموح «إصلاح النظام السياسي» هدفًا صعب المنال بعد تمركز القوى الطائفية في الدولة؟

بشكل عام، لا تُواجَه عودة المالكي برفض يستند إلى نقد بنيوي لتجربته وسياساته، بقدر ما تُقابَل باعتراضات انتقائية، تفاوضية، تُدار من داخل المنظومة «المكوناتية» نفسها، وتبحث عن تحسين شروط المشاركة والتحاصص. ويبدو أن غياب المعارضة الوطنية لا يفتح الطريق أمام إعادة تدوير الشخصيات المأزومة فحسب، بل يكرّس الفشل بوصفه «خيارًا واقعيًا»، في ظل فراغ سياسي وطني يسمح للمنظومة الحاكمة بالاستمرار دون كلفة حقيقية.

وتكمن خطورة عودة نوري المالكي المحتملة إلى رئاسة الحكومة في شخصه بحدّ ذاته، وما تمثّله هذه العودة من إقرار ضمني بفشل النظام السياسي في إنتاج دولة قادرة على القطع مع ماضيها المأزوم. فإعادة تدوير اسم ارتبط بانهيارات أمنية، وانقسامات طائفية، ومجازر، تعني عمليًا أن الدولة فشلت في بناء آليات مؤسسية للمساءلة.

لبناء وطن ومواطن

تسعى منصة تغيير الى تعزيز دور المواطن العراقي في المشاركة البناءة في رفع المبادئ الوطنية والمصالح العليا والقيم والإرث والهوية الوطنية الجامعة بالوسائل المدنية.

Scroll to Top