
28 آذار 2025
الزهايمر السياسي والهروب من المركزية.. كيف فشلت دولة 2003؟
على غير المعتاد، يطرح العقل السياسي المرتبط عضويًا بدولة 2003 مشاريع الأقلمة في العراق، ومنهم من يشددون على ضرورة “إعلان الاستقلال بتسع محافظات ذات غالبية شيعية، والانفراد بالثروات النفطية فيها بمعزل عن باقي المكونات”، وهو ما أكده رئيس مجلس الوزراء السابق نوري المالكي. إذ قال خلال مقابلة تلفزيونية إن “الشيعة سينفردون بالنفط إذا أجبروا على تقسيم العراق”. الأمر الذي دفع رئيس مجلس النواب محمود المشهداني الإشارة إلى أن “خيار الأقلمة يجعل الشيعة أكبر الخاسرين، مع إمكانية التأثير على تدفق مياه دجلة والفرات في حال استأثر الجنوب بالنفط”، ردًا على ما طرحه المالكي ورئيس كتلة حقوق حسين مؤنس، للتفكير في خيار الإقليم “كأحد البدائل التفاوضية أمام القوى السنية والكردية”.
فالمعتاد بخيارات الانفصال هو “المظلومية السنية المتمثلة في الإقصاء بعد 2003، ما دفع بعض السياسيين السنة الذين يشعرون بالتهميش إلى التلويح بهذه الورقة للضغط على الطبقة السياسية”. وبما أنه لا يمكن الحديث عن طبقة سياسية شيعية مهمّشة، فلماذا يريد “القادة الشيعة” إقليمًا خاصًا على الرغم من معارضته وبشدة -في وقت سابق- باعتباره تقسيمًا للبلاد وتأسيسًا لإدارات طائفية؟
الهروب إلى الجزء
لا تعكس دعوات الأقلمة الطائفية فشلًا جماعيًا في إعادة بناء الدولة بعد أنقاض نظام صدام حسين فحسب، وإنما تؤكد بشكل واضح؛ محاولات للهروب من السلطة المركزية التي تمثّل بدورها إطارًا جامعًا، إلى تشكيل معادلة سياسية – اجتماعية، تضمن تمكين ذات النخب، بالتزامن مع استشعار انتهاء حقبة سياسية استحوذت على الدولة وفق رؤى طائفية. فالهروب من الكل إلى الجزء هو الورقة الرابحة الوحيدة، في سبيل البقاء على قيد السلطة، بعد أن انقضت صلاحية دولة 2003، التي لم تحقق تحديثًا سياسيًا أو تحولًا ديمقراطيًا منذ أكثر من عقدين.
وبالتزامن مع تراجع “محور المقاومة” المدعوم إيرانيًا، فإن طهران تبقى اللاعب الأبرز في الدفع باتجاه “الإقليم الشيعي” من عدمه، حيث عارضت مسبقًا تقسيم العراق، إلا أنها الآن قد تحبذ الفكرة بعد موجات التصعيد الأمريكي ضد وكلائها في المنطقة، لتكون بمثابة “الخطة باء عبر خلق استقطاب طائفي شيعي لمواجهة التغيرات المحتملة، وتحسبًا من أن تكون المناطق السنية امتدادًا لسوريا الجديدة”.
لم تنجح الأحزاب التي تشكّلت بعد 2003، انطلاقًا من أدبيات المعارضة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، في بلورة مشروع سياسي وطني، بل وعلى النقيض من ذلك، كان قرار الخارج -الإيراني- الأكثر نفوذًا في الأروقة السياسية من جهة، والمساهمة في تعميق الشروخ، وتخريب الطبيعة المجتمعية، وصعود مافيات السلاح والفساد الممنهج والمقنن، من جهة أخرى. ويتجلى ذلك في ظهور طبقة طفيلية تضم أفرادًا تربطهم صلات عائلية بالقيادة السياسية، إلى جانب رجال أعمال مرتبطين بجهات حكومية، مع مزيج من الميليشيات والشخصيات السياسية وحاشيتهم.
فهذا النظام المصمم خصيصًا لتنامي الفساد وتقاسم الغنائم، لم يعد صالحًا لسبب وجيه؛ وهو أن العقلية السياسية التي استلمت نظام الحكم بعد الاحتلال، اعتمدت على دوائر تمثيلية ضيقة، تميل إلى الجزء أكثر منه إلى الكل، وما الأخير إلا بوصفه شعارًا واعتبارات رمزية لابد منها، والمقصود هنا هو الخطاب الوطني. ما أدى إلى تصفير فرص النجاح على المستوى الوطني.
كما أن الأمر الآخر الذي يبرر الهروب من الدولة، هو جدية الضغوط الداخلية، والخارجية على وجه التحديد، فهذه الضغوط مرتبطة بتحولات كبرى، أضحت على مشارف “البوابة الشرقية” للوطن العربي، تفرض ربما في وقت لاحق معادلة سياسية في العراق وتنهي “الحاكمية الشيعية” أو تعيد ترتيب موازين القوى في الداخل، وهو ما لم ولن تقبل به النخب التقليدية بإرادتها.
يقول الأكاديمي كنعان مكية، المنشق لاحقًا عن أحزاب المعارضة، وصاحب كتابي “جمهورية الخوف” و”الفتنة'” إن “قادة الأحزاب، مثل عبد العزيز الحكيم، ومسعود بارزاني، ونوري المالكي، وجلال طالباني، وأحمد الجلبي، وإبراهيم الجعفري، اعتبروا أنفسهم فوق أيِّ منصب سوى أعلى المناصب، وكان المشرِّعون بالنسبة لهم مجرد مُتملقين لا يتلقون سوى الأوامر”.
فالهروب إذًا، ليس خيارًا هامشيًا ولا مناورة سياسية، بل ضرورة تحسم البقاء أو الفناء.
الزهايمر السياسي وإعادة إنتاج المظالم.. نحو مشاريع مستدامة
تأخذ الذاكرة حيزًا كبيرًا في بناء مشاريع السياسة في العراق، استنادا إلى إعادة إنتاج إرث مظالميّ، بعد أن عملت على مأسسته بشكل واضح. وثمة تعريف للسياسة في العراق عبر قراءة تفاعلاتها، مفاده؛ البحث عن الانتصار التاريخي في الواقع المُعاش. ولسبب ربما يكون موضوعيًا، أن النخب التقليدية تعيش “الزهايمر السياسي” الداعي إلى استحضار مشاهد ما قبل إسقاط النظام في 2003، ونسيان التطلعات الداخلية المتبلورة في الماضي القريب -بضمنها احتجاجات تشرين 2019- لكنها تدرك تمامًا، وتستحضر “العدو البعثي السني” بوصفه تهديدًا لمكتسبات “الأغلبية الشيعية”. وهذا ما أكد عليه معظم قادة الائتلاف الحاكم، إن لم يكن كلهم، بالتخويف من عودة نظام البعث تارة، ومن “المؤامرات الصهيو-أمريكية” تارة أخرى.
ما أردت مقاربته في بداية المقال عن “العقل المرتبط عضويًا بدولة 2003” والزهايمر السياسي، أنه منفصل تمامًا عن مشروع بناء الدولة الوطنية، بل ولا يمكنه ذلك، لأسباب ليس هنا مجالها، لكن في هذا السياق تجدر الإشارة إلى دعم اللا دولة مقابل إضعاف المؤسسات الرسمية، وتفعيل سياسات الهوية، والتشديد على “استحقاقات الجزء”. وقد أثبتت ذلك الاختبارات المتكررة، وفي طريقة التعاطي مع الأحداث الذي عصفت بالوطن.
فالاعتراف بالذنب فضيلة، وها هي دولة 2003، المحدّثة أمريكيًا، قد فشلت. إنه ذنب الشعب وقادته، لكن هل فات أوان التكفير عن الذنب، ويجب أن ندفع الثمن؟ أم مازال هناك متسع من الوقت؟

إبراهيم فاضل
مؤسس منصة تغيير وباحث مهتم في قضايا الدولة والمواطنة